جفرا نيوز -
المهندس عامر الجيوسي
حمل خطاب العرش الذي ألقاه جلالة الملك عبدالله الثاني رسالة اقتصادية واضحة، تضع مصلحة المواطن في صلب القرار، وتربط نجاح التحديث بما يتركه من أثر في معيشته وفرص عمله وخدماته. وهذه الرسالة تستدعي مراجعة عملية لما تحقق، وتحديد ما يحتاج إلى تسريع أو تصحيح، حتى تتحول الفرص المتاحة اليوم إلى مصادر مستدامة للنمو والدخل.
السؤال الذي ينبغي أن يشغل المؤسسات الاقتصادية الآن هو: أين وصلنا في خدمة المستثمر والمواطن، وما الذي يمنع الانتقال إلى مستوى أفضل؟ والإجابة تحتاج إلى الاستماع المنظم لمن يستخدمون الخدمات، وقياس تجربتهم الفعلية، ومقارنة الكلفة والوقت والنتائج بما توفره الأسواق المنافسة. فالمستثمر الذي يعمل بالفعل يستطيع تحديد تفاصيل تعيق التوسع وقد تخفيها المؤشرات الإجمالية.
وتقدم العقبة مثالاً مهماً لهذه المراجعة. فالمدينة تمتلك منظومة موانئ ومناطق لوجستية واستثمارات تراكمت عبر سنوات، وقد استوعب ميناء البضائع نحو 5.9 مليون طن حتى نهاية أيلول 2026، بنمو يقارب 63% وفق البيانات الأولية المنشورة. ويعكس هذا الأداء قدرة تشغيلية تستحق البناء عليها، مع الانتباه إلى ارتباط جانب من النشاط بتحول مسارات التجارة نتيجة الظروف الإقليمية.
هنا تكمن المهمة الاقتصادية: كيف نحافظ على العملاء الذين وصلوا اليوم، عندما تتغير الظروف وتعود أمامهم خيارات أخرى؟ يتطلب ذلك البناء على الساحات والتوسعات المنجزة، واستكمال احتياجات التخزين، وتحسين الربط بالنقل البري، وتبسيط الإجراءات، ومعالجة التأخير على امتداد رحلة البضاعة. فالحكم على تنافسية العقبة يشمل وصول الشحنة إلى مقصدها بكلفة ووقت يمكن توقعهما، ويتجاوز سرعة تفريغها على الرصيف.
وينطبق المنطق ذاته على فرص التجارة مع سوريا والمنطقة الحرة الأردنية السورية المشتركة. المطلوب بناء علاقات إنتاج وتوريد وخدمات طويلة الأجل، يستطيع المستثمر الأردني والعربي الاعتماد عليها. ومن المفيد إجراء استطلاعات مستقلة ودورية تشمل المستثمرين والناقلين والمخلصين، تحدد أسباب التأخير وكلفه، وتقيس رضاهم عن الخدمات، ثم تربط النتائج بإجراءات معلنة ومسؤوليات ومواعيد تنفيذ واضحة.
وفي النقل السككي، ينبغي البناء على الخطوات التي تحققت فعلاً؛ فقد وُضع حجر الأساس لمشروع سكة حديد العقبة والشيدية ومعان في تشرين الأول الماضي، ضمن توجه لخفض كلف نقل منتجات التعدين والتكامل مع مشروع ميناء معان البري. أما الربط الأوسع مع سوريا وتركيا والخليج وأوروبا، فيبقى مساراً مستقبلياً يحتاج استكمال الاتفاقات والتمويل والتنفيذ.
والفرصة الأهم هي تطوير أنشطة صناعية ولوجستية حول هذه المسارات، وفق الطلب والجدوى، بحيث تتوسع أعمال التخزين والتعبئة والتصنيع والخدمات، وتصل منافعها إلى المدن والقرى. عندها يصبح نجاح المشروع قابلاً للقياس بعدد الوظائف المستقرة، ومستوى الأجور، وحصة المنشآت المحلية من الأعمال، وقدرته على رفع إنتاجية الاقتصاد وتوسيع قاعدة المستفيدين منه.
والطموح المطلوب هو قفزة في الإنتاجية والتشغيل والقدرة التنافسية. فالاقتصادات المحيطة تتطور أيضاً، ولذلك ينبغي قياس تقدمنا بقدرتنا على كسب أسواق واستثمارات جديدة، وتحويل النشاط العابر إلى أعمال مستقرة وقيمة مضافة تبقى داخل الاقتصاد.
وتحقيق ذلك يحتاج إدارة تستمع وتقرر وتتابع، وتقبل النقد المسؤول بوصفه وسيلة لتصويب الأداء. فالمساءلة تبدأ بتحديد المسؤولية، ونشر مؤشرات قابلة للمقارنة، ومعالجة الخلل عند ظهوره. ويمكن البدء بقياس زمن إنجاز المعاملات وكلفة الخدمات ونسب معالجة الشكاوى، مع إعلان ما تغير بعد كل مراجعة. كما ينبغي التمييز بين مشكلة داخل المؤسسة وأخرى تحتاج تنسيقاً بين جهات أو دول، حتى يذهب العلاج إلى مصدر التعطيل. إن ترجمة خطاب العرش اقتصادياً تكون بالعمل الذي يحافظ على المكتسبات، ويجعل الأردن خياراً تنافسياً دائماً، ويمنح المواطن نصيباً واضحاً من ثمار التنمية.
*نائب رئيس هيئة مستثمري المناطق الحرة