اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
النسخة الكاملة

من مؤتمر مؤتة 2018 إلى جرح كنيسة حمود

الثلاثاء-
جفرا نيوز -
 
الأستاذ الدكتور هشام عثمان المبيضين

أستاذ نظم المعلومات الإدارية – كلية الأعمال – جامعة مؤتة

العميد الأسبق لكلية الدراسات العليا ومقرّر مؤتمر «الاستراتيجيات الوطنية في مواجهة التطرف والإرهاب العالمي» 2018
2 تشرين الثاني 2026
 
تابعتُ، كما تابع كل أردني، أخبار حمود ساعة بساعة. مسلحون يترجّلون من مركبة ويطلقون النار على مشيّعين في كنيسة القديس جاورجيوس للروم الأرثوذكس، والحصيلة ترتفع حتى بلغت تسعة شهداء وعشرات الجرحى. ثلاثة أيام من الحداد، ثم ستون ساعة من الملاحقة انتهت بالقبض على المنفذين الثلاثة.
وسط هذا كله، عادت بي الذاكرة إلى ربيع 2018، إلى قاعة في جامعة مؤتة اجتمع فيها باحثون من خمس عشرة دولة ليتحدثوا عن هذا الخطر بالذات. لا أكتب اليوم لأقول «ألم نقل لكم؟»، فالمصاب أكبر من ذلك. أكتب لأن ما قلناه يومها ما زال صالحًا، وما زال ينتظر من يأخذه إلى حيّز التنفيذ.

مؤتمر مؤتة 2018: استشراف مبكر للخطر

في 23 نيسان 2018 افتُتح في جامعة مؤتة مؤتمر «الاستراتيجيات الوطنية في مواجهة التطرف والإرهاب العالمي: الإنجازات والطموح»، الذي نظمته كلية الدراسات العليا مع جامعة عمان الأهلية وبالتعاون مع المنتدى العالمي للوسطية. كنت يومها عميدًا للكلية ومقررًا للمؤتمر. وكان اختيار كلمة «العالمي» في العنوان مقصودًا؛ فلم نكن نتحدث عن ظاهرة محلية تُحتوى بحملة أمنية، بل عن شبكة تعبر الحدود وتتغذى من الفضاء الرقمي.

قلت في كلمة الافتتاح إن غايتنا رسم «خارطة طريق واستراتيجية لمواجهة الإرهاب والتطرف كوباء عالمي لا بد من استئصاله». اخترت كلمة «وباء» عن قصد. فالوباء لا يعرف حدودًا، ولا يكفي معه علاج المصاب وحده؛ لا بد من وقاية تسبق العدوى.

وتوزعت أعمالنا على ثلاثة محاور: الخطاب الديني والتدابير الشرعية، وإدارة المعرفة، والتشريعات والقوانين الناظمة. وخرجنا بتوصيات أعدت قراءتها هذا الأسبوع فوجدتها أقرب إلى الحاضر مما كنت أتمنى: منصات حقيقية يعبّر فيها الشباب عن أنفسهم قبل أن تتلقفهم الحسابات المجهولة، وتجفيف التمويل الإلكتروني للجماعات المتطرفة، ومعالجة الفقر والبطالة اللذين تستغلهما هذه الجماعات في التجنيد، وحوار دائم بين علماء الشريعة والقانونيين والباحثين حول علاقة الدين بالدولة المدنية.

الرؤية الملكية: الإطار المرجعي للمواجهة

لم نأتِ بهذا من فراغ. فجلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين قالها بوضوح في خطاب العرش عام 2014: كل من يؤيد الفكر التكفيري أو يبرره «عدو للإسلام وعدو للوطن». وفي الأمم المتحدة سمّى جلالته هؤلاء «الخوارج»، وقال إن مواجهتهم «حربنا كمسلمين»، ودعا القادة إلى موقف علني يحترم أماكن العبادة كلها: المسجد والكنيسة والكنيس. أقرأ هذه الجملة اليوم وفي ذهني كنيسة حمود.

وفي نيسان 2015 ترأس سمو ولي العهد الأمير الحسين بن عبدالله الثاني جلسة لمجلس الأمن عن دور الشباب في مواجهة التطرف العنيف، فكان أصغر من خاطب المجلس في تاريخه. وبعد تلك الجلسة صدر القرار 2250 في كانون الأول من العام نفسه، أول قرار أممي يعترف بالشباب شركاء في صنع السلام. أي أن الرؤية كانت حاضرة قبل مؤتمرنا بسنوات، وكان دورنا في الجامعة أن نحوّلها إلى أسئلة بحثية وتوصيات قابلة للعمل.

الموقف الملكي في أعقاب جريمة حمود

جاء موقف جلالة الملك بعد الجريمة حاسمًا كما عهدناه. ففي اجتماع مجلس الأمن القومي، بحضور سمو ولي العهد، أكد أن أمن الأردنيين «خط أحمر» وأن «يد العدالة ستطال كل إرهابي»، ووجّه بملاحقة كل من أيّد الجريمة أو برّرها، وبإطلاع الناس على مجريات التحقيق أولًا بأول حتى لا تُترك الساحة للشائعات. وفي بيت العزاء في حمود وصف سمو ولي العهد ما جرى بأنه عمل جبان وغادر استهدف الأردنيين جميعًا.

وكان جلالته قد قال قبل الجريمة بأسابيع، من على منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة:

«نحن نحمي المسيحية، مجتمعاتها وإرثها، في موطنها الأصلي والتاريخي، بينما ندافع عن الصورة الحقيقية للإسلام في وجه أصوات الكراهية».

البعد الرقمي للتطرف العابر للحدود

بحكم تخصصي، استوقفني ما جرى على الشاشات بعد الهجوم بقدر ما استوقفني ما جرى على الأرض. فقد رصد معهد السياسة والمجتمع أن النقاش حول حمود امتد إلى أكثر من عشر لغات، وتجاوز عشرة ملايين تفاعل في أربعة أيام، وأن حسابات يمينية متطرفة في الخارج أعادت صياغة العناوين لتحمّل المسلمين جميعًا وزر الجريمة.

هذه هي الحلقة التي كنا نخشاها: متطرف يقتل باسم الدين، وآخر في قارة بعيدة يستثمر الدم لنشر الكراهية، وكل منهما يمدّ الآخر بالوقود. والمعلومة المضللة في الساعات الأولى تنتشر أسرع من أي بيان رسمي. لذلك لا أرى مواجهة التطرف اليوم شأنًا أمنيًا وفكريًا فحسب، بل معركة بيانات ورصد وسرعة استجابة أيضًا.

من التوصيات إلى التنفيذ

ما الذي نحتاجه إذًا؟ أولًا، أن نُخرج توصيات 2018 من كتاب المؤتمر ونحوّلها إلى خطة لها جهات مسؤولة وجدول زمني ومؤشرات تُراجع كل عام. ثانيًا، مرصد وطني تشترك فيه الجامعات يتابع الخطاب المتطرف على المنصات الرقمية ويحلله، فنعرف ما يُقال لأبنائنا قبل أن يتحول إلى فعل. ثالثًا، أن نعطي القرار 2250 معناه المحلي: منابر حقيقية للشباب في الجامعات والمحافظات، يكونون فيها أصحاب كلمة لا جمهورًا.

ولا بد كذلك من دراسات اجتماعية ونفسية جادة لمن تورطوا في هذه الجرائم، ومن فرق إعلامية مدرّبة على إدارة الأزمات تسبق الشائعة ولا تلحق بها. ويبقى القانون حاسمًا مع كل من يحرّض أو يبرّر، من غير أن نأخذ بريئًا بجريرة مجرم.

خاتمة

حمود قرية عاش فيها المسلم والمسيحي جنبًا إلى جنب منذ قرون، ولن يغيّر ثلاثة مسلحين هذه الحقيقة. لكن الحزن وحده لا يكفي. استشرفنا الخطر قبل ثماني سنوات وكتبنا ما ينبغي عمله، وسبقتنا القيادة إلى ذلك بسنوات. وأصدق ما نقدّمه لشهداء حمود اليوم أن ننتقل من الكلام إلى العمل.

رحم الله الشهداء، وحفظ الأردن وقيادته وشعبه.

© جميع الحقوق محفوظة لوكالة جفرا نيوز 2024
تصميم و تطوير