جفرا نيوز -
رائد العورتاني
لم يكن خطاب العرش السامي الذي ألقاه جلالة الملك عبدالله الثاني اليوم أمام مجلس الأمة مجرد افتتاح دستوري لدورة برلمانية جديدة بل حمل في مضامينه رسائل سياسية ووطنية واضحة تعكس طبيعة المرحلة التي يمر بها الأردن والمنطقة وتؤكد أن الدولة الأردنية تدرك حجم التحديات وتتمسك بثوابتها الوطنية وتتعامل مع المتغيرات الإقليمية بمنطق الدولة التي تعرف مصالحها وتدافع عن سيادتها.
إن الحزم والوضوح في الخطاب الملكي يعكسان أهمية التوقيت وحساسية المرحلة، أن الأردن ليس دولة تعيش بمعزل عن محيطها بل يقع في قلب إقليم مضطرب تتداخل فيه التحديات الأمنية والسياسية والاقتصادية وتفرض تطوراته على القيادة الأردنية اتخاذ مواقف تستند إلى حسابات دقيقة تحمي المصالح الوطنية وتصون أمن المواطنين واستقرار الدولة.
أكد جلالة الملك أن الأردن سيبقى عصياً على الإرهاب وأن أمن الوطن ليس مجالاً للتهاون، أن الأمن الوطني ليس مسؤولية الأجهزة الأمنية والعسكرية وحدها على الرغم من دورها المحوري وتضحيات منتسبيها بل هو مسؤولية وطنية مشتركة تتطلب وعياً شعبياً وتماسكاً مجتمعياً ورفضاً لكل فكر متطرف أو محاولة لزعزعة الثقة بمؤسسات الدولة.
وهنا تبرز أهمية الالتفاف حول الدولة ومؤسساتها الدستورية والوقوف خلف قواتنا المسلحة وأجهزتنا الأمنية، مع التمسك بسيادة القانون والعدالة، باعتبارهما ركيزتين أساسيتين لحماية المجتمع وصون حقوق المواطنين.
إن تأكيد جلالة الملك على أن الأمن المائي أولوية وطنية واستراتيجية لا تحتمل التأجيل، يجسد موقفاً حازماً بأن مياه الأردنيين حق وطني لا يجوز أن يكون رهينة بيد أي طرف، وأن حماية الموارد المائية وتأمين احتياجات المملكة تشكلان ركيزة أساسية من ركائز السيادة الوطنية والأمن والاستقرار.
الأردن يواجه تحديات مائية معروفة وأي معالجة جادة لهذا الملف يجب أن تقوم على تنويع مصادر المياه وتسريع تنفيذ المشاريع الوطنية وتقليل الفاقد وتحسين الإدارة وتعزيز التعاون الإقليمي على أسس واضحة تحفظ حقوق المملكة ومصالح مواطنيها.
الحكومة أمام اختبار الإنجاز لا الوعود، إن خطاب العرش بما يحمله من توجيهات ورسائل يضع الحكومة أمام مسؤولية ترجمة الرؤية الوطنية إلى سياسات قابلة للتنفيذ ونتائج يلمسها المواطن في حياته اليومية.
إن الأردني الذي يواجه أعباء المعيشة ويبحث عن فرصة عمل وينتظر تحسين الخدمات الصحية والتعليمية لا تكفيه الخطط المعلنة وحدها بل يحتاج إلى نتائج ملموسة وإدارة كفؤة للموارد وعدالة في توزيع الفرص ومحاسبة واضحة على التقصير.
ومن هنا إن المرحلة تتطلب مراجعة مستمرة للأداء الحكومي وتحديد الأولويات وفق احتياجات المواطنين والابتعاد عن القرارات التي تزيد الأعباء دون مبررات مقنعة وتعزيز الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة من خلال الشفافية والإنجاز.
إن التأييد الحقيقي للتوجيهات الملكية لا يكون بالكلمات وحدها وإنما بمدى التزام الحكومة بتنفيذها وقدرتها على تحويلها إلى واقع اقتصادي واجتماعي يشعر به المواطن الأردني.
إن مجلس الأمة أمام مسؤولية دستورية وسياسية، افتتاح الدورة العادية الجديدة لمجلس الأمة يضع السلطتين التشريعية والرقابية أمام استحقاق مهم يتمثل في ممارسة دورهما الدستوري بمسؤولية وطنية بعيداً عن الحسابات الضيقة أو الاكتفاء بالمواقف الإعلامية.
المواطن ينتظر تشريعات تحمي مصالحه ورقابة فاعلة على الأداء الحكومي ونقاشاً جاداً للقضايا الاقتصادية والاجتماعية ومواقف تعبر عن احتياجات الناس وتطلعاتهم.
المرحلة القادمة لا تحتمل أن تتحول الحياة البرلمانية إلى منافسة على المواقع أو الاكتفاء بالمجاملات السياسية بل تحتاج إلى عمل مؤسسي يوازن بين متطلبات الدولة وحقوق المواطنين ويعزز الثقة بالعمل العام.
إن الرد على خطاب العرش ينبغي أن يتجاوز الصياغات التقليدية إلى التزام سياسي وأخلاقي بممارسة الدور النيابي كما يقتضيه الدستور وبما ينسجم مع تطلعات الأردنيين.
الجبهة الداخلية أساس قوة الأردن، في ظل ما تشهده المنطقة من صراعات وتحولات، تبقى وحدة الأردنيين وتماسكهم الاجتماعي من أهم عناصر قوة الدولة، الأردن بتنوع أبنائه ومكونات مجتمعه يمتلك رصيداً وطنياً ينبغي الحفاظ عليه وتعزيزه وترسيخ مبدأ المواطنة وسيادة القانون ورفض خطاب الكراهية والتحريض والانقسام.
إن الالتفاف حول الأردن لا يعني تعطيل المساءلة بل يعني الجمع بين الانتماء الوطني والحق في المطالبة بالإصلاح وبين دعم استقرار الدولة والسعي إلى تحسين أدائها.
رسائل واضحة ومسؤوليات لا تقبل التأجيل، إن خطاب العرش السامي يجدد التأكيد على ثوابت الدولة الأردنية في حماية الأمن والسيادة والدفاع عن الحقوق الفلسطينية وصون المصالح الوطنية وتعزيز قدرة المملكة على مواجهة التحديات.
من موقع مسؤوليتنا الوطنية إننا نؤكد دعمنا للثوابت التي تضمنها الخطاب الملكي وثقتنا بقدرة الأردن بقيادته الهاشمية ومؤسساته وأبنائه على مواصلة مسيرته بثبات شريطة أن تقترن التوجيهات بالإنجاز وأن تكون مصلحة المواطن معياراً أساسياً لتقييم السياسات والقرارات.
الأردن أولاً وسيادته خط أحمر وأمنه واستقراره مسؤولية الجميع.
حفظ الله الأردن عزيزاً آمناً مستقراً وحفظ جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين المعظم وسمو ولي عهده الأمين الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، وأدام عليهما موفور الصحة والعافية ووفقهما لما فيه خير الوطن والمواطن وأدام على أردننا الغالي نعمة الأمن والاستقرار وجمع الأردنيين دائماً على المحبة والوفاء والانتماء في ظل القيادة الهاشمية الحكيمة.