اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
النسخة الكاملة

أدعياء التنوير ودعاة التكفير.. وجهان لعملة واحدة اسمها التطرّف

الثلاثاء-
جفرا نيوز -
حين تتحول إدانة الإرهاب إلى منصة لمحاكمة الدين والتراث والهوية
كتب : عمر المحارمة
لا يختلف أحد على أن الجريمة البشعة التي شهدتها محافظة الكرك تستحق الإدانة بأشد العبارات، وأن مرتكبيها، ومن يقف وراءهم أو يحرّض على جرائمهم، يجب أن يواجهوا العدالة بكل حزم، فالإرهاب، أياً كانت دوافعه وذرائعه، جريمة بحق الإنسان والوطن، ولا يمكن أن يجد في الدين أو العقيدة أو الفكر ما يبرره أو يمنحه الشرعية.
لكن المؤسف حقاً أن تتحول دماء الضحايا، التي كان ينبغي أن توحّد الأردنيين في مواجهة الجريمة والتطرف، إلى مناسبة لتصفية حسابات أيديولوجية قديمة مع الدين الإسلامي وتراثه ورموزه، تحت عناوين براقة من قبيل التنوير والتعددية ومحاربة الفكر الظلامي.
البيان الذي أصدرته مجموعة من الشخصيات التي قدّمت نفسها بوصفها ممثلة للمثقفين والتربويين والأكاديميين الأردنيين، يثير الاستهجان والاستعجاب حد السخرية، حيث حمل خطابهم قدراً مقلقاً من التعميم والإقصاء والأحكام المسبقة، فيما يحمل غلافا وهميا بالدعوة الى التعددية والتسامح واحترام الاختلاف.
 أخطر ما في هذا البيان أنه انطلق من إدانة تطرف، بممارسة شكل آخر من التطرف؛ تطرف يرتدي ثوب التنوير، ويتخذ من محاربة الإرهاب ذريعة لفتح معركة واسعة مع التراث الإسلامي والهوية الثقافية والدينية للمجتمع.
فبأي منطق علمي أو منهج فكري رصين يمكن وضع ابن تيمية وابن قيم الجوزية ومحمد بن عبد الوهاب وحسن البنا وسيد قطب في سلة اتهام واحدة، على الرغم من اختلاف عصورهم وسياقاتهم ومناهجهم، ثم تقديم هذا الخليط باعتباره أحد المنابع المسؤولة عن إنتاج الإرهاب، من دون تمييز جاد بين النصوص واجتهاداتها، وبين الأفكار وتوظيفاتها، وبين النقد العلمي والتحريض الأيديولوجي؟
وهل أصبحت محاربة الإرهاب تقتضي محاكمة قرون من الفكر الإسلامي، وتحميل شخصيات تاريخية مسؤولية جرائم معاصرة، لمجرد أن جماعات متطرفة اختارت بعض النصوص أو التأويلات لتبرير أفعالها؟
إن التراث الإسلامي، شأنه شأن أي تراث إنساني، ليس فوق النقد والمراجعة والبحث، وفيه ما يستحق المناقشة والاختلاف، لكن الفارق شاسع بين النقد المعرفي المسؤول، الذي يقرأ النصوص في سياقاتها ويُخضعها للبحث والتمحيص، وبين الخطاب الأيديولوجي الذي ينتقي من التاريخ ما يخدم خصومته المسبقة مع الدين، ثم يقدم استنتاجاته وكأنها حقائق نهائية لا تقبل النقاش.
والمفارقة أن هؤلاء يقعون في ذات الخطأ الذي يرتكبه دعاة التكفير، فالتكفيري ينتزع النص من سياقه ليحاكم به الآخرين ويقصيهم، والمتطرف المتستر بالتنوير ينتزع نصوصاً وأسماء من سياقاتها ليحاكم بها تراثاً بأكمله، ويضع ثقافة مجتمع موضع الشبهة والاتهام.
كلاهما يدّعي امتلاك الحقيقة، وكلاهما ينظر إلى المختلف باعتباره مشكلة ينبغي التخلص من تأثيرها، وكلاهما يعجز عن استيعاب أن المجتمع لا يُبنى على لون فكري واحد، وأن الاختلاف ليس جريمة، وأن احتكار الحقيقة هو المدخل الأخطر إلى الاستبداد الفكري.
وبالطبع، لا يمكن المساواة بين من يختلف بالكلمة ومن يرتكب جريمة قتل؛ فالعنف والإرهاب لهما مسؤولية جنائية وأخلاقية لا تقارن بمجرد التعبير عن الرأي. لكن التشابه الذي ينبغي فضحه هنا هو التشابه في العقلية الإقصائية، وفي ادعاء احتكار الصواب، وفي رفض الاعتراف بحق الآخر في الاختلاف.
والأشد خطورة أن أصحاب هذا الخطاب يتجاهلون طبيعة المجتمع الأردني، الذي يشكل الدين الإسلامي عنصراً أصيلاً من هويته الثقافية والحضارية، إلى جانب مكوناته الوطنية والدينية المتنوعة، فحين يشعر المواطن أن دينه وتراثه وموروثه الثقافي يتعرض لهجوم شامل، فإنه لن يرى في ذلك مشروعاً تنويرياً، بل اعتداءً على جزء عزيز من هويته ووجدانه.
والمفارقة التي يبدو أن أصحاب البيان لم يدركوها، أن الخطاب الذي يستفز الوجدان الديني للمجتمع، ويخلط بين التدين والتطرف، لا يحاصر الإرهاب، بل يمنح دعاة التكفير فرصة ثمينة لتقديم أنفسهم باعتبارهم المدافعين عن الدين في مواجهة من يستهدفونه.
وبذلك يصبح التطرفان، رغم تناقض شعاراتهما، محورين في دائرة خطيرة من الاستقطاب؛ أحدهما يستثمر في الغلو الديني، والآخر يستثمر في العداء المعمم للموروث الديني، وكلاهما يسهم في تضييق المساحة التي يحتاجها المجتمع للاعتدال والحوار والتفاهم.
أما التناقض الأكثر وضوحاً في البيان، فيكمن في مطالبته بحماية حرية التعبير واحترام التعددية، بالتزامن مع الدعوة إلى تفكيك ما يسميه «حواضن التكفير» ورصد المنابر والمؤسسات التعليمية والدينية والأحزاب، من دون تقديم حدود دقيقة تفصل بين التحريض على العنف، الذي يجب أن يواجهه القانون، وبين الاجتهاد الديني أو الاختلاف الفكري المشروع.
فهل التعددية تعني احترام جميع الأفكار، أم احترام الأفكار التي تتفق مع التوجه الأيديولوجي لأصحاب البيان فقط؟ وهل حرية التعبير حق للجميع، أم امتياز حصري لمن يمنحون أنفسهم صفة التنويريين؟
 الأردن لا يحتاج إلى وصاية فكرية جديدة تحل محل وصاية أخرى، ولا إلى من يصنف أبناءه بين متنورين وظلاميين وفق معايير أيديولوجية مسبقة. كما لا يحتاج إلى استبدال خطاب الإقصاء الديني بخطاب إقصاء ثقافي يزدري معتقدات الناس ويستفز هويتهم.
الأردن يحتاج إلى مشروع وطني عقلاني يعزز سيادة القانون، ويطور التعليم، ويفتح أبواب التفكير النقدي، ويحمي حرية الاعتقاد والتعبير، ويواجه التحريض على الكراهية والعنف أياً كان مصدره، من دون أن يحوّل الدين إلى متهم، أو يمنح أي تيار حق احتكار الوطنية أو الحقيقة أو الفضيلة.
والتنوير الحقيقي لا يكون بإهانة معتقدات الناس، ولا باستعلاء نخبة على مجتمعها، ولا بتصوير التراث الديني وكأنه مستودع للكراهية، التنوير الحقيقي هو تحرير العقل من التعصب، سواء صدر هذا التعصب عن متشدد ديني يرفض الآخر، أم عن متشدد أيديولوجي يرفض الدين وأهله.
ومن حق أصحاب البيان التعبير عن آرائهم كما يشاؤون، لكن ليس من حقهم أن يطالبوا المجتمع بقبول أحكامهم بوصفها الحقيقة المطلقة، أو أن يجعلوا من جريمة إرهابية مدخلاً لتعميم الاتهام على موروث ديني وحضاري واسع ومتعدد.
لقد دفع الأردن أثماناً مؤلمة في مواجهة الإرهاب، وهو ما يستدعي خطاب يجمع الأردنيين ولا يفرقهم، ويعزز مناعتهم الوطنية بدلاً من استدعاء الصراعات الأيديولوجية، ويحترم وعيهم وقيمهم بدلاً من التعامل معهم وكأن هويتهم الثقافية هي أصل المشكلة.
إن دماء ضحايا الإرهاب ليست مادة لتصفية الحسابات الفكرية، ولا رخصة لأحد كي يصادر تاريخ الأمة أو يطعن في وجدان المجتمع.
ولذلك، فإن الرسالة التي ينبغي أن تقال بوضوح هي أن مواجهة التطرف لا تكون بتطرف مضاد، وأن حماية التعددية لا تتحقق بخطاب إقصائي، وأن الدفاع عن حرية الفكر لا يستقيم مع احتكار تعريف الفكر المقبول.
أدعياء التنوير ودعاة التكفير وجهان لعملة واحدة اسمها التطرف؛ لا لأن جرائمهما وأفعالهما متساوية، بل لأنهما، حين يستسلمان لمنطق الإقصاء والتعصب، ينطلقان من الوهم نفسه، أن الوطن لا يتسع إلا لمن يشبههما.
أما الأردن، بتاريخ شعبه وعمق هويته العربية والإسلامية وتنوع مكوناته، فهو أكبر من هذا الوهم، وأقدر على مواجهة الإرهاب بعقل الدولة وعدالة القانون ووعي المجتمع، لا بغلو المتشددين ولا باستعلاء أدعياء التنوير.
فلا التكفير يحمي الدين، ولا التطرف المضاد يصنع التنوير، والوطن الذي نريده لا يحكمه تكفيريون باسم الدين، ولا أوصياء على العقول باسم التنوير.
© جميع الحقوق محفوظة لوكالة جفرا نيوز 2024
تصميم و تطوير