جفرا نيوز -
البرفسور عبدالله سرور الزعبي
مركز عبر المتوسط للدراات الاستراتيجية
حين يقول جلالة الملك عبدالله الثاني للأردنيين ومن تحت قبة البرلمان إن الاختلاف في الرأي قوة، فهو يضع قاعدة سياسية وإدارية في بناء الدولة. فالدولة التي تتحدث فيها جميع الأصوات بلحن واحد قد لا تسمع إنذار الخطأ حين يقع. والإجماع الذي لم يُختبر بالنقاش يشبه جسرًا لم يُحمَّل قط، يبدو متينًا إلى أن تعبره الشاحنة الأولى. فالقوة ليست في غياب الاختلاف، بل في القدرة على إدارته وتحويله إلى معرفة وقرار أفضل.
خذوا المياه مثالًا. حين يؤكد الملك أن الأمن المائي لا مجال فيه للمساومة، فإنه يحدد غاية وطنية لا تحتمل التردد، لأن المياه ليست ملفًا خدميًا، بل شرط بقاء وسيادة. لكن الاتفاق على الغاية لا يلغي النقاش حول الوسيلة، من مياه اليرموك ونهر الأردن، إلى مشروع الناقل الوطني وخفض الفاقد والمشاريع المستقبلية: كم نستثمر في التحلية والناقل، وكم في إصلاح الشبكات؟ كيف نوازن بين كلفة المياه وقدرة الأسرة والخزينة؟ وما حدود السحب الآمن من الأحواض الجوفية؟ ومن يتحمل كلفة الاستدامة: المواطن أم الموازنة أم الأجيال القادمة؟
وقد لاحظ متابعون تباينًا في الأرقام المعلنة بشأن كلفة الناقل الوطني والفاقد المائي، وصل في بعض التقديرات بين مسؤولين سابقين وحاليين إلى مليارات في الأول وملايين في الثاني. وهذا التباين لا يعني بالضرورة وجود خطأ أو تقصير، فقد يرتبط باختلاف سنوات الأساس أو منهجيات الاحتساب أو مراحل التنفيذ، لكنه يستدعي مرجعية رسمية موحدة، ومنهجية معلنة، وتحديثًا دوريًا. فالخطوط الوطنية الحمراء يحرسها الجميع، أما الطريق إلى تحقيقها فيجب أن يظل مفتوحًا للنقاش. ومن يتفق معك على الهدف ويختلف معك في الوسيلة ليس خصمًا، بل شريك في حمايته.
وما ينطبق على المياه ينطبق على النفط والغاز والتعدين واليورانيوم وسائر الموارد الوطنية. فالسؤال عن حجم ما نملك وما نستخرج وما يكلّفه، وعن الوعود التي نقدمها والعقود التي نوقّعها وأسعارها والتزاماتها ومددها، ليس تشكيكًا في النوايا، بل حماية للمال العام والذاكرة المؤسسية وحقوق الأجيال. فهذه عقود قد تمتد عقودًا، ولذلك فإن السؤال المبكر يوفّر على الدولة محاسبة أشد كلفة في المستقبل. والشفافية هنا ليست عبئًا على القرار، بل ضمانة لاستدامته.
أما التعليم، فهو الملف الذي يرسم صورة الأردن بعد عقدين. وتشير نتائج الاختبارات الدولية والتقييمات الوطنية إلى تحديات حقيقية في جودة المخرجات. كما أظهر الجدل حول الحقول في الثانوية العامة أن بعض القرارات اتُّخذت ثم أُلغيت بالطريقة نفسها، والقرارات الكبرى تحتاج إلى تهيئة وتشاور وتقييم قبل تعميمها. والمطلوب أن ننتقل من التجريب المتكرر إلى التخطيط المستقر: فتُختبر التغييرات أولًا على عينات قبل تعميمها، لأن التجريب الواسع كلفته يدفعها الطلبة؛ ولا تُفرض تعديلات الامتحانات والتخصصات على طلبة في منتصف مسارهم، بل تُعلن قبل وقت كافٍ؛ ويشارك المعلمون والأهالي والجامعات والقطاع الخاص في صياغتها.
ولا إصلاح بلا معلم متمكّن ومحفَّز، ولا تعليم حديث بمناهج تقيس الحفظ بدل التفكير النقدي وحل المشكلات والمهارات الرقمية والعمل الجماعي. كما نحتاج إلى استراتيجية وطنية مستقرة لا تتبدل بتبدل الوزراء، وإلى تقرير سنوي معلن يقيس نتائج القراءة والرياضيات والعلوم والتسرب وجاهزية الخريجين لسوق العمل، وتقييم مستقل لمدى التنفيذ. فقد امتلكنا استراتيجيات طموحة كثيرة، لكن المشكلة كانت في استمرارية التنفيذ، إذ تعرضت للتغيير والتبديل في منتصف الطريق، فلم نحصل على النتائج المرجوة في الحالتين. وإن استقرار السياسات لا يقل أهمية عن جودة صياغتها.
ومن هنا تبدأ آداب الاختلاف داخل المؤسسات. فالمخالف يستحق إجابة بالحجة والأرقام والكلفة والبدائل والجدول الزمني، لا أن يُوصف بأنه "يغرد خارج السرب". والمنتقد الذي يقدم معلومة موثقة أو يحذر من خلل ليس مشكِّكًا ولا معطِّلًا بالضرورة، فقد يكون تأجيل قرار غير ناضج حماية للدولة من كلفة أكبر. كما أن صاحب القرار مطالب بالاستماع إلى الرأي المختلف، لأن إحاطة المسؤول نفسه بالموافقين وحدهم قد تجعله يخلط بين صدى صوته وإجماع الناس. وفي المقابل، فللمخالف مسؤولية أخلاقية ووطنية: أن يختلف ببرهان، وأن يقدم البديل، وأن يضع مصلحة الوطن فوق الاعتبارات الشخصية، فالنقد الذي لا يقترح طريقًا لا يكتمل، والاقتراح الذي لا يمتلك المبررات لا يقنع.
وهذا يقودنا إلى سقف الاختلاف، فهو حرٌّ ما دام تحت مظلة الدستور وفي حدود الوطن. فالدستور هو المرجعية التي تضمن حق التعبير والنقد والمساءلة، وهو نفسه الإطار الذي يحمي الثوابت الوطنية ومؤسسات الدولة واستقرارها. وحين يبقى الخلاف داخل هذا السقف، يكون اجتهادًا يخدم الوطن؛ أما حين يخرج عنه إلى التشكيك في الثوابت أو الإساءة للمؤسسات أو إثارة الفرقة، فإنه يفقد صفته وقيمته. وبهذا التوازن تُصان حرية الرأي ويُصان الوطن معًا.
ولمجلس الأمة مسؤولية محورية في ذلك، فالبرلمان ليس مطلوبًا منه أن يوافق الحكومة آليًا أو يعارضها آليًا، بل أن يحوّل الاختلاف إلى رقابة وحوار ومساءلة موضوعية. وكل خلاف يُدار تحت القبة بالأرقام والحقائق يوفّر على الدولة خلافًا آخر قد يُدار خارج المؤسسات بالشائعات وسوء الفهم. ويتطلب ذلك إتاحة البيانات الأساسية المتعلقة بالمياه والنفط والغاز والتعدين والتعليم، والاستثمار والنمو الاقتصادي والتضخم والدين العام وكلفته وغيرها، وتمكين اللجان النيابية والمواطنيين من الوصول إليها ومناقشتها بشفافية.
إن إدارة الاختلاف تحتاج إلى ثلاثة شروط: معلومات متاحة تسمح للجميع بالنقاش على أساس واحد، ومؤسسات تستمع بجدية لا ببروتوكول، وثقافة تثق بأن الاختلاف المسؤول لا ينتقص من الانتماء ولا يمس الثوابت الوطنية. والأهم أن تتحول هذه الثقافة إلى ممارسة دائمة، من خلال نشر البيانات، وتوثيق الملاحظات، والإجابة عن الاعتراضات، وقياس أثر القرارات وتصحيح مسارها عند الحاجة.
فالأردن لا يحتاج إلى إجماع على كل تفصيل، بل إلى توافق راسخ على ثوابته ومصالحه العليا، وإلى مساحة واسعة للاجتهاد في كيفية تحقيقها. والاختلاف في الرأي ليس تهديدًا لأحد حين تحكمه المسؤولية، كما أن الاتفاق ليس ضمانة لصحة القرار ما لم يستند إلى المعرفة والمراجعة. وقد قالها الملك في جملة واحدة: الاختلاف في الرأي قوة. وعلى المؤسسات أن تثبت أنها تعرف كيف تحوّلها إلى ممارسة، تجعل السؤال فرصة للتصحيح، والنقد مدخلًا للتطوير، والاختلاف مصدرًا لقوة الأردن ومستقبله، لا جبهة ولا إقصاءً ولا غضبًا.