جفرا نيوز -
من الكاكستقراطية إلى الميريتوقراطية: حين يكون المدير سببا في انهيار المؤسسة بدلا من قيادتها نحو الاستدامة تتحول القيادة غير الكفؤة إلى أداة لهدم المؤسسات
عمر خضر الفطافطة
ليست المؤسسات مجرد مباني وموظفين وميزانيات، بل هي منظومات من القيم والحوكمة والمساءلة والثقة المؤسسية، وتبدأ رحلة انهيارها عندما تتحول القيادة من أداة للتطوير والاستدامة إلى مصدر للاختلال الإداري والمالي، ووصول أشخاص غير مؤهلين إلى المناصب القيادية، وتقديم الولاء الشخصي على الكفاءة والخبره، واقصاء أصحاب الخبرة والكفاءات، وانتشار المحسوبية والفساد وسوء الإدارة، واتخاذ قرارات مصيرية من أشخاص لا يمتلكون القدرة على فهم عواقبها.
في هذا السياق، تبرز الكاكستقراطية (Kakistocracy) بوصفها تعبيرا عن وصول الأقل كفاءة إلى مواقع القرار، وتصبح القرارات الإدارية انعكاسا لضعف القيادة لا لمتطلبات المصلحة المؤسسية، وتتجلى خطورة هذا النمط القيادي في غياب الحوكمة الرشيدة، وضعف أنظمة الرقابة الداخلية، وتراجع الشفافية والمساءلة، وتعطيل مبادئ الامتثال، فضلا عن تهميش التقارير المحاسبية والمؤشرات المالية التي يفترض أن تكون أساسا لاتخاذ القرارات وتصحيح الانحرافات.
فالمدير غير الكفؤ لا يكتفي بسوء إدارة الموارد، بل قد يتسبب في استنزافها، وإضعاف الأداء التشغيلي، وتراكم الخسائر، وفقدان الثقة لدى العاملين والمتعاملين وأصحاب المصلحة، إلى أن تصل المؤسسة إلى مرحلة تفقد فيها وجودها الاقتصادي والمادي، ثم مكانتها وسمعتها ووجودها المعنوي.
إن أخطر صور الفشل الإداري ليست في اتخاذ قرار خاطئ، بل في غياب المساءلة عن القرارات الخاطئة، ورفض الاعتراف بالانحرافات، وتحويل التقارير الرقابية والمحاسبية من أدوات للإصلاح إلى مجرد إجراءات شكلية، في المقابل، تبرز الميريتوقراطية (Meritocracy) بوصفها تصورا لحكم الأخيار، ويمكن إسقاط قيمها على الإدارة المؤسسية من خلال النزاهة والعدالة والمسؤولية، إلى جانب الكفاءة والجدارة المهنية، فالمؤسسة لا تحتاج إلى مدير يشغل المنصب فحسب، بل إلى قائد يمتلك القدرة على حماية مواردها، واحترام قواعد الحوكمة، وتطبيق معايير الامتثال، والاستناد إلى المعلومات المحاسبية في اتخاذ القرارات.
فالمناصب القيادية ليست امتيازا شخصيا، بل مسؤولية ائتمانية ومهنية؛ والمدير الذي لا يحسن بناء المؤسسة والمحافظة على استدامتها، قد يتحول من عنصر يفترض أن يقود نجاحها إلى أحد أبرز أسباب انهيارها.