جفرا نيوز -
بقلم: محمد سعيفان الجبور
في الأوطان الراسخة، لا تُقاس قوة الخطاب بعدد كلماته، بل بما يحمله من ثوابت، وما يرسمه من اتجاه، وما يضعه أمام أبناء الوطن من مسؤوليات. وفي خطاب العرش السامي لجلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، حضرت الدولة الأردنية بتاريخها وثوابتها وطموحها، وحضر معها صوت الأردن الذي يعرف موقعه، ويتمسك بمبادئه، وينظر إلى المستقبل بثقة وإرادة.
كان خطاباً يليق بالأردن؛ دولةً بنت مكانتها عبر عقود من العمل والصبر، ووطناً أثبت في أصعب المحطات أن قوته الحقيقية تكمن في تماسك شعبه، وصلابة مؤسساته، وقدرته على تحويل التحديات إلى دافع لمزيد من العمل والإنجاز.
وحين يتحدث جلالة الملك من منبر العرش، فإن الكلمات تتجاوز حدود المناسبة الدستورية لتصبح رسالة وطنية جامعة؛ رسالة تؤكد أن الأردن، مهما اشتدت من حوله الأزمات وتبدلت الظروف، يبقى متمسكاً بثوابته، مدافعاً عن مصالحه، وواثقاً بأبنائه وبقدرتهم على مواصلة مسيرة الدولة والبناء عليها.
ولعل أكثر ما يدعو إلى الاعتزاز هو ذلك الإيمان الراسخ بالإنسان الأردني. فالأردن لم يكن يوماً وطناً يقيس قوته بحجم موارده وحدها، بل بما يمتلكه أبناؤه من علم وكفاءة وانتماء وإرادة. ومن هنا، فإن الاستثمار في الإنسان الأردني، وتمكين الشباب، وتوفير الفرص أمامهم، وتطوير مؤسسات الدولة وخدماتها، تبقى ركائز أساسية لأي مشروع وطني يتطلع إلى المستقبل.
إن التحديث الذي ينشده الأردن ليس شعاراً مرحلياً، وإنما مسيرة تتطلب عملاً متواصلاً ومؤسسات أكثر كفاءة واقتصاداً قادراً على النمو وتوفير الفرص، وإدارة عامة يكون معيار نجاحها مقدار ما تقدمه للمواطن من خدمة وإنجاز.
وفي السياسة، يبقى الأردن صاحب موقف وثوابت. وفي مقدمة تلك الثوابت تقف القضية الفلسطينية ومواقف المملكة تجاه حقوق الشعب الفلسطيني، وهي مواقف حملها الأردن في مختلف المحافل، وظلت حاضرة في خطابه السياسي والدبلوماسي.
وفي زمن تموج فيه المنطقة بالأزمات والصراعات، تصبح المحافظة على الأردن ومنجزاته واستقراره مسؤولية تتجاوز المؤسسات الرسمية لتصل إلى كل مواطن. فالأوطان لا تُبنى بالشعارات، والانتماء لا يُثبت بالكلمات وحدها، وإنما بالعمل والإخلاص والنزاهة واحترام القانون والمحافظة على مقدرات الدولة، وبأن يؤدي كل منا واجبه من موقعه بأمانة ومسؤولية.
إن خطاب العرش ليس نهاية حديث، بل بداية مسؤولية. فحين يرسم قائد الوطن ملامح الطريق، تصبح المسؤولية مشتركة في ترجمة الطموحات إلى عمل، والعمل إلى إنجاز، والإنجاز إلى أثر يشعر به المواطن في حياته ومستقبل أبنائه.
ومن هنا، فإن الاعتزاز بخطاب العرش السامي يجب أن يقترن بمسؤولية حقيقية؛ مسؤولية المسؤول في موقعه، والموظف في مؤسسته، والمعلم في مدرسته، والشاب في طموحه، وكل أردني في موقعه. فالأردن لا ينتظر منا أن نكتفي بالفخر به، بل أن نعمل من أجله، وأن نحمي منجزاته، وأن نضع المصلحة العامة فوق المصالح الضيقة، وأن نكون شركاء حقيقيين في بناء مستقبله.
واليوم، تقع على عاتقنا جميعاً مسؤولية أن نحول مضامين خطاب العرش من كلمات نعتز بها إلى نهج نمارسه وواجب نؤديه. فالمواطنة الصادقة موقف وعمل، والانتماء الحقيقي عطاء ومسؤولية، والوفاء للأردن يكون بإتقان العمل، وصون مؤسساته، ومحاربة الواسطة والمحسوبية والفساد، واحترام القانون، وفتح الطريق أمام أصحاب الكفاءة والإنجاز.
إن المرحلة المقبلة تحتاج إلى كل يد تبني، وكل عقل يبدع، وكل مسؤول يدرك أن المنصب تكليف لا تشريف، وأن خدمة الأردنيين أمانة لا تحتمل التقصير. وما أحوجنا إلى أن يكون كل واحد منا، من موقعه، جزءاً من الحل وشريكاً في الإنجاز.
فلنجعل من خطاب العرش دافعاً لمزيد من العمل، ولنجعل اختلاف مواقعنا سبباً لتكامل أدوارنا، ولنتحمل جميعاً مسؤوليتنا تجاه وطن يستحق منا أكثر من الكلمات. فالأردن الذي نفخر به اليوم أمانة في أعناقنا، والأردن الذي نريده لأبنائنا غداً مسؤولية نصنعها بأيدينا منذ الآن.
حفظ الله الأردن عزيزاً آمناً مستقراً، وحفظ جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، وسمو ولي العهد الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، وأعاننا جميعاً على حمل أمانة هذا الوطن والعمل من أجله بإخلاص؛ فالأردن مسؤوليتنا جميعاً، وحمايته واجب، وخدمته شرف، وبناء مستقبله أمانة لا يجوز أن نتخلف عنها.