اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
النسخة الكاملة

الرواتب تفقد قيمتها... الغلاء يستنزف الجيوب، والأسر تلجأ إلى الاقتراض لإكمال الشهر

الأحد-2026-11-08 01:34 pm
جفرا نيوز -
الرواتب تفقد قيمتها... الغلاء يستنزف الجيوب و الأسر تلجأ إلى الاقتراض لتتمكن من إكمال الشهر.
 
عمّان
لم يعد الحصول على وظيفة وراتب شهري ثابت كافياً لضمان الاستقرار المعيشي لكثير من الأسر في الأردن، في ظل ارتفاع كلفة الاحتياجات الأساسية، من السكن والغذاء إلى التعليم والمواصلات والفواتير، مقابل دخول لا تنمو بالوتيرة نفسها.
 وتجد شريحة واسعة من الأردنيين، بما في ذلك من الطبقة الوسطى، نفسها أمام تحديات متزايدة في إدارة ميزانياتها الشهرية، بعدما تراجعت قدرتها على الادخار، وأصبح تأمين النفقات الطارئة يشكل عبئاً إضافياً، في حين تلجأ بعض الأسر إلى الاقتراض أو تأجيل احتياجات أساسية لتتمكن من إكمال الشهر.
 وتوضح هذه المعادلة أن المشكلة لم تعد مرتبطة فقط بمستوى الراتب، بل بما يستطيع هذا الراتب توفيره فعلياً من احتياجات معيشية.
 
 
الالتزامات تستنزف الرواتب
يقول المواطن الأردني علاء الحاج، لـ"العربي الجديد"، إن الراتب الشهري لم يعد يكفي لتغطية الالتزامات كما كان في السابق، مشيراً إلى أن الإيجار والفواتير والمواصلات ومصاريف الأسرة تستنزف معظم الدخل. ويضيف الحاج، الذي يعمل محاسباً في إحدى الشركات الخاصة: "الراتب ينتهي قبل نهاية الشهر، وأصبح من الصعب توفير أي مبلغ للادخار أو مواجهة الظروف الطارئة. نحن نعمل ونلتزم بوظائفنا، لكن قدرتنا على تحسين مستوى معيشتنا تتراجع". من جانبها، تشير المواطنة سوسن سارة (أم علي) إلى أن إدارة مصروف الأسرة أصبحت تتطلب حسابات دقيقة، في ظل ارتفاع أسعار المواد الغذائية والاحتياجات اليومية.
وتقول: "أصبحنا نفكر أكثر من مرة قبل شراء أي شيء، ونبحث باستمرار عن العروض ونؤجل بعض الاحتياجات. حتى الأمور التي كانت تعتبر عادية، مثل الخروج مع الأسرة أو شراء الملابس، باتت تحتاج إلى حسابات إضافية". وتبرز حالتا الحاج وسارة جانباً من الضغوط التي تواجه الطبقة الوسطى، التي لا تقع بالضرورة ضمن شرائح الفقر، لكنها تفقد تدريجياً قدرتها على الادخار والاستهلاك وتحقيق أهدافها المعيشية.
دخل ثابت في مواجهة نفقات متحركة
تتمثل إحدى أبرز المشكلات التي تواجه الأسر الأردنية، بحسب الخبير الاقتصادي الأردني نائل العمرو، في حديثه إلى "  في عدم التناسب بين نمو الدخول وتطور كلفة المعيشة؛ إذ ترتبط رواتب شريحة واسعة من العاملين بزيادات سنوية محدودة، مقابل نفقات أساسية تتزايد بفعل ارتفاع تكاليف السكن والنقل والتعليم والصحة والطاقة، إلى جانب الغذاء. ويوضح العمرو أن انخفاض معدلات التضخم لا يعني عودة الأسعار إلى مستوياتها السابقة، بل يشير إلى تباطؤ وتيرة ارتفاعها، بينما تظل الزيادات السعرية المتراكمة خلال السنوات الماضية مؤثرة في القدرة الشرائية للأسر.
 
ويشير إلى أن متوسط التضخم الرسمي لا يعكس بالضرورة الأعباء التي تتحملها جميع الأسر، خصوصاً العائلات التي تستحوذ نفقات الغذاء والإيجار والمواصلات على نسبة كبيرة من دخولها. ويؤكد أن محدودية الدخل أو ثباته يجعلان أي زيادة في كلفة أحد الاحتياجات الأساسية سبباً في تقليص الإنفاق على احتياجات أخرى، مثل التعليم والصحة والترفيه، وتقليص الادخار، ما يفاقم الضغوط المعيشية ويحد من قدرة الأسر على الحفاظ على مستوى معيشتها.
تفاوت الأجور يثقل المعيشة
يمثل الحد الأدنى للأجور أحد المؤشرات المهمة عند دراسة واقع الدخول في الأردن، لكنه لا يقدم وحده صورة كاملة عن قدرة العاملين على مواجهة كلفة المعيشة. فقد تقرر رفع الحد الأدنى للأجور للعاملين في القطاع الخاص إلى 290 ديناراً شهرياً اعتباراً من مطلع عام 2025، بقرار من اللجنة الثلاثية لشؤون العمل، على أن يستمر تطبيقه حتى نهاية عام 2027، مع استثناءات حددها القرار. ورغم أهمية هذه الخطوة في حماية أصحاب الدخول المنخفضة، يبقى السؤال الاقتصادي متعلقاً بمدى كفاية الأجر لتغطية احتياجات العامل وأسرته، خصوصاً في ظل اختلاف الأعباء بين شخص يعيش وحده وآخر يعيل أسرة تضم أطفالاً.
كما أن المقارنة بين الحد الأدنى للأجور وكلفة المعيشة يجب ألا تقتصر على أسعار الغذاء، بل ينبغي أن تشمل السكن والنقل والطاقة والصحة والتعليم والالتزامات الاجتماعية. وفي المقابل، لا يمكن التعامل مع جميع العاملين باعتبارهم ضمن مستوى دخل واحد؛ فهناك تفاوتات واسعة بين القطاعين العام والخاص، وبين المهن والقطاعات الاقتصادية، وبين العاملين بعقود مستقرة وأولئك الذين يعتمدون على العمل غير المنتظم. وهنا تبرز، بالعودة إلى حديث الخبير نائل العمرو، أهمية دراسة تطور متوسط الأجور الفعلية، وليس الاكتفاء بالحد الأدنى، ومقارنتها بمؤشرات الأسعار والإنفاق الأسري خلال فترة زمنية متصلة.
وتظهر بيانات الأجور تفاوتاً في دخول العاملين، إذ بلغ متوسط الأجر الشهري في القطاعين العام والخاص 551 ديناراً (نحو 777 دولاراً) خلال عام 2023، بواقع 667 ديناراً (نحو 941 دولاراً) في القطاع العام مقابل 499 ديناراً (نحو 704 دولارات) في القطاع الخاص، بفارق 168 ديناراً (نحو 237 دولاراً) شهرياً. وبحسب بيانات دائرة الإحصاءات العامة، التي نقلتها وكالة الأنباء الأردنية "بترا" في 29 إبريل/ نيسان 2026، بلغ متوسط أجور الذكور 563 ديناراً (نحو 794 دولاراً) مقابل 522 ديناراً (نحو 736 دولاراً) للإناث. وتوفر هذه المتوسطات مؤشراً على مستويات الأجور وتفاوتها، لكنها لا تمثل دخل الأسرة كاملاً ولا تحدد وحدها انتماءها إلى الطبقة الوسطى.
أقساط القروض تقلص الإنفاق
وفي ظل محدودية الدخل، تلجأ بعض الأسر إلى الاقتراض لتغطية نفقات السكن أو التعليم أو شراء المركبات والأجهزة المنزلية، في حين تستخدم أسر أخرى البطاقات الائتمانية والتسهيلات المصرفية لتجاوز الفجوة بين موعد الراتب ومواعيد الالتزامات. إلا أن الاقتراض، وفقاً لخبراء مصرفيين، قد يوفر حلّاً آنياً لمشكلة مالية، لكنه يتحول في بعض الحالات إلى عبء طويل الأجل، خصوصاً عندما تتراجع قدرة الأسرة على السداد أو تتراكم عليها التزامات متعددة.
وتكمن المشكلة، بحسبهم، في أن القسط الشهري يصبح جزءاً ثابتاً من النفقات، ما يقلّص الدخل المتاح للاستهلاك ويجعل الأسرة أكثر هشاشة أمام أي طارئ، مثل فقدان الوظيفة أو المرض أو ارتفاع نفقات التعليم. كما أن تعدد الالتزامات المالية قد يدفع بعض الأسر إلى الاقتراض مجدداً لسداد التزامات سابقة، في دائرة تضيق معها الخيارات المالية المتاحة.
لذلك، لا ينفصل قياسُ الوضع المعيشي للطبقة الوسطى عن دراسة المديونية الأسرية، ونسب الاستقطاع من الرواتب، وقدرة الأسر على الوفاء بالتزاماتها من دون التضحية بالاحتياجات الأساسية، إذ تزيد الأقساط المصرفية والالتزامات التمويلية من الضغوط على الأسر، ويتحول جزء من الراتب إلى التزامات ثابتة قبل تغطية المصاريف اليومية. وفي بعض الحالات، يصبح الاقتراض وسيلة لتغطية فجوة الدخل والنفقات، لكنه قد يتحول إلى عبء إضافي يحد من قدرة الأسرة على الادخار ومواجهة الظروف الطارئة.
يقول الموظف في القطاع الحكومي إسلام الأحمد إن انتظام الراتب والاستقرار الوظيفي لم يعودا كافيين لضمان حياة معيشية مستقرة، في ظل ارتفاع النفقات الأساسية وعدم تناسب الزيادات السنوية في الأجور مع كلفة المعيشة. ويضيف أن الجزء الأكبر من راتبه يذهب لتغطية الالتزامات الشهرية، من فواتير ومواصلات واحتياجات الأسرة، ما يجعل الادخار أو التخطيط لشراء منزل وتحسين المستوى المعيشي أموراً صعبة، مشيراً إلى أن أي نفقات طارئة قد تربك ميزانية الأسرة وتدفعها إلى تأجيل بعض الاحتياجات. ويرى الأحمد أن المشكلة لا تكمن في انتظام الدخل بحد ذاته، بل في تراجع قدرته الشرائية، إذ بات الراتب يوفر احتياجات أقل مما كان يوفره سابقاً، رغم استمرار الموظف في العمل والالتزام بوظيفته.
سياسات لحماية القدرة الشرائية
وتتطلب معالجة تآكل القدرة الشرائية، كما يؤكد أستاذ علم الاجتماع والاقتصاد، مهند البشتاوي، لـ"العربي الجديد"، تبني مقاربة اقتصادية تتجاوز الحلول المرتبطة بزيادة الرواتب بصورة منفردة، إذ إن تحسين الدخول ينبغي أن يترافق مع سياسات تخفف كلفة الاحتياجات الأساسية وتعزز فرص العمل المستقر والإنتاجية. ويشير، في هذا الإطار، إلى أهمية دراسة السياسات المتعلقة بالإسكان والنقل العام والتعليم والصحة، إلى جانب تعزيز الحماية الاجتماعية وتوسيع فرص العمل اللائق. كما تبرز، بحسبه، ضرورة مراجعة مستويات الأجور دورياً، وربطها بمؤشرات موضوعية تراعي تطور كلفة المعيشة والإنتاجية والقدرة التنافسية للقطاعات الاقتصادية.
 
المركزي الأردني يثبت الفائدة وسط نمو اقتصادي 3%
من جهة أخرى، يلفت البشتاوي إلى أن حماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية وتحسين كفاءة الأسواق وسلاسل التوريد تسهم في الحد من الأعباء التي تتحملها الأسر، خصوصاً في السلع والخدمات الأساسية. أما على مستوى سوق العمل، فيرى أن توفير وظائف مستقرة بأجور مناسبة، والحد من العمل غير المنظم، وتعزيز فرص مشاركة النساء والشباب، تمثل عناصر أساسية لتحسين دخل الأسر وتقليل هشاشتها الاقتصادية. ولا يقل عن ذلك أهمية تعزيز برامج الحماية الاجتماعية الموجهة للأسر الأكثر تعرضاً للضغوط، مع ضمان وصول الدعم إلى مستحقيه وفق معايير واضحة تراعي حجم الأسرة ودخلها والتزاماتها.
رصدت موازنة عام 2026 نحو 280 مليون دينار (نحو 395 مليون دولار) للمعونة النقدية المتكررة، و251 مليون دينار (نحو 354 مليون دولار) لدعم السلع، إلى جانب 124 مليون دينار (نحو 175 مليون دولار) لتأمين معالجة مرضى السرطان، و50 مليون دينار (نحو 71 مليون دولار) للمعالجات والإعفاءات الطبية، بحسب دليل المواطن الصادر عن دائرة الموازنة العامة. كما بلغت مخصصات الرواتب والأجور والعلاوات للجهاز المدني نحو 2.209 مليار دينار (نحو 3.116 مليارات دولار)، ومخصصات التقاعد والتعويضات 1.820 مليار دينار (نحو 2.567 مليار دولار). وتمثل هذه الأرقام مخصصات مقدرة في الموازنة، وليست إنفاقاً فعلياً أو زيادات موحدة في دخول الموظفين والمتقاعدين.
في المحصلة، لم تعد معاناة الأسر في الأردن، بما في ذلك الطبقة الوسطى، مرتبطة بغياب فرص العمل أو انتظام الرواتب فحسب، بل بتراجع قدرة هذه الدخول على مواكبة كلفة الحياة. وبين الالتزامات المتزايدة وتراجع فرص الادخار، يجد مواطنون أنفسهم يعملون باستمرار، لكنهم يواجهون صعوبة متزايدة في الحفاظ على مستوى معيشي مستقر، لتبقى حماية القدرة الشرائية وتعزيز الأمان الاقتصادي للأسر اختباراً أساسياً للسياسات الاقتصادية والاجتماعية
 العربي الجديد

© جميع الحقوق محفوظة لوكالة جفرا نيوز 2024
تصميم و تطوير