حمادة فراعنة
حقق الحزب الديمقراطي الأميركي فوزاً في انتخابات مجلسي الشيوخ والنواب، وحكام الولايات، على خصمه الحزب الجمهوري، حزب الرئيس ترامب يوم 3/11/2026، لعدة أسباب أهمها:
أولاً - الحرب على إيران، حيث قام الرئيس الأميركي بالهجوم العسكري على إيران بالتحالف والتعاون والشراكة مع قوات المستعمرة الإسرائيلية يوم 28/2/2026.
حرب ترامب على إيران وجهت ضربات موجعة للجيش وللاقتصاد وللقيادات الإيرانية، ولكنها لم تحقق الأهداف التي سعى إليها ترامب وهي: 1 - إسقاط النظام، 2 - وقف تخصيب اليورانيوم وإنتاج الصواريخ، 3 - تغيير السياسة الإيرانية، وكان حصيلتها الفشل الأميركي، والكلفة المالية، بدون أن تحقق أهدافها، مقابل صمود إيران.
ثانياً - أدت الحرب إلى إغلاق مضيق هرمز، وتقنين إنتاج النفط، وكلفة نقله، وارتفاع أسعاره، وانعكاس ذلك على أسعار السلع في الولايات المتحدة.
وقد اعترف الرئيس الأميركي بوضوح أن «إيران شكلت تأثيراً وسبباً في نتائج الانتخابات»، وارتفعت أسعار البنزين والسولار على المواطن، وحصيلتها إفرازات الانتخابات ونتائجها.
ثالثاً - ارتباط الحرب في العلاقة مع المستعمرة الإسرائيلية، وتحريض نتنياهو وتأثيره المباشر على قرار ترامب نحو شن الحرب مع المستعمرة ضد إيران.
ترامب أعلن أنه مستعد لقبول نتائج انتخابات مجلسي النواب والشيوخ، وهو استعداد لا رغبة له فيه، بل هو مُرغم على قبول النتائج لصالح الحزب الديمقراطي والانصياع لها.
كما صرح أن الولايات المتحدة ليس لديها خطة فورية لضرب إيران، لعله يُقلل من آثار الحرب، ومحاولة طمأنة الأميركيين بقوله: ربما نواصل العمل ضد إيران أو نوقف ذلك، كما أعلن وقف المساعدات الأميركية للمستعمرة، لعله يؤثر على قرار الناخبين.
تشاك شومر، رئيس الأغلبية الديمقراطية لدى مجلس الشيوخ، قال: «سنعمل لصالح الشعب الأميركي، مع أو بدون الرئيس ترامب»، وأنهم سيعملون «لوقف الحرب على إيران، وثمة أعضاء من الجمهوريين من عبّر عن تأييده معنا لوقف هذه الحرب».
رئيس الأغلبية الديمقراطية في مجلس النواب حكيم جيفريز قال: «سنكافح الفساد، والإدارة الحالية هي الأكثر فساداً في تاريخ الولايات المتحدة». وقال أيضا: «نتفهم معاناة الأميركيين من ارتفاع الأسعار، وسنعمل على تخفيضها».
إذن، دوافع تصويت الناخب الأميركي نحو المواقع الانتخابية الثلاثة كانت لأسباب اقتصادية بحتة سببتها الحرب على إيران، واستفزت المواطن الأميركي بدون أسباب وجيهة لهذه الحرب، وبدون أن تحقق أي مكاسب لجيوب وكرامة المواطن الأميركي.
ولكن، علينا الانتباه أن نتائج هذه الحرب وانعكاساتها على قرار الناخب الأميركي ستكون لها تداعيات سياسية، تتعلق أولاً بمكانة الرئيس ترامب الذي فقد قاعدته التشريعية، بغياب الأغلبية الجمهورية التي كان يتمتع بها لدى مجلسي النواب والشيوخ، وحتى لدى حكام الولايات، بل سيتحول مجلسا الشيوخ والنواب إلى ظواهر معيقة لسياساته بما فيها الانحياز للمستعمرة الإسرائيلية، نظراً لتحريضها على شن الحرب على إيران، ومشاركتها بها، كما أن العديد من السياسات الإجرائية والقانونية التي مارسها الرئيس ترامب ستجد الصد، بل ستتجه نحو التغيير، بما تملكه المؤسسة التشريعية من صلاحيات.
وثمة تقدير شائع لدى الرأي العام الأميركي مفاده: إذا واصل الرئيس عناده، ومجلسا التشريع صلاحياتهما، فيمكنهم فتح تحقيق بشأن الحرب على إيران، لأن خياراته كانت أحادية انفرادية لم يشاور الكونغرس بها، ولم يتخذ غطاءً وتشريعاً يوفر له شرعية شن الحرب، من خلال اعتماده على أغلبية الجمهوريين في مجلسي الشيوخ والنواب، حيث بقيا صامتين، وقدما له التغطية والأموال اللازمة للحرب، وهي قضية يمكن أن تشكل إدانة لعدم حصوله على موافقة الكونغرس مسبقا في شن الحرب.
وإذا قرر الكونغرس تشكيل لجنة تحقيق، وإعادة ملفات مرت دون رقابة تشريعية مستحقة، والتوصل إلى إدانته على خلفية عدم احترام الدستور، وعدم احترام صلاحية الكونغرس في «إعلان الحرب»، فهو خيار إذا سلكه الكونغرس بقيادة ديمقراطية، فقد يصل إلى قرار إقالته على خلفية عدم احترام الدستور، وتحميل الولايات المتحدة خسائر حرب لا مصلحة لها بها، بالاستجابة لتطلعات ورغبة وتحريض رئيس حكومة المستعمرة نتنياهو.
انتخابات يوم الثلاثاء 3/11/2026، لم تكن مجرد انتخابات تشريعية دستورية، مقارنة مع النتائج التي وصلت إليها، بل تحولت إلى نتائج سياسية عاصفة، سيكون لها نتائج عديدة، وقد ظهرت نتائجها مباشرة، وتأثيرها على سلوك الرئيس ترامب بقوله كما نقلت عنه فوكس نيوز إنه: «سيستخدم حق النقض ضد التشريعات التي يُعارضها، مع بقاء باب التفاوض مفتوحاً مع الديمقراطيين».
ولقد لفتت أجهزة الإعلام الأميركية إلى التعارض في موقف الرئيس ترامب قبل وبعد الانتخابات:
- قبل الانتخابات، دعا ترامب أنصاره إلى التعامل معها وكأن اسمه موجود على ورقة الاقتراع.
- وبعد ظهور نتائج الانتخابات قال: «إنه لم يكن مرشحاً في الانتخابات، وإن الجمهوريين كانوا سيحققون فوزاً كبيراً لو كان اسمه مدرجاً فيها»، وهذا يعكس غروره وتقلباته وعدم اتزانه، كرئيس لأكبر وأقوى وأثرى دولة في العالم.
الحصيلة أن الانتخابات النصفية الأميركية لعام 2026 تستحق قراءة سياسية استراتيجية معمّقة، تتجاوز سؤال: من فاز، ومن خسر؟ إلى سؤال أهم: ماذا قال الناخب الأميركي من خلال صندوق الاقتراع؟ وكيف ستنعكس هذه الرسالة على مستقبل الولايات المتحدة، وإدارة دونالد ترامب؟.
نحن أمام انتخابات لا تتعلق بتجديد مقاعد الكونغرس فحسب، بل باختبار سياسي لولاية الرئيس دونالد ترامب الثانية، وقياس حدود التفويض الشعبي الذي حصل عليه في انتخابات 2024، وفقدان الإدارة للسلطة التشريعية برمتها.
أولاً: نتيجة انتقال السيطرة على الكونغرس، لصالح الحزب الديمقراطي وسيطرته على مجلسي النواب والشيوخ، في تحول سياسي واسع ضد الحزب الجمهوري وضد الرئيس ترامب، نتيجة تعني أن المشهد السياسي الأمريكي دخل مرحلة جديدة، عنوانها أن الرئيس سيواجه كونغرس لا يسيطر عليه لحزبه، وأن السنوات المتبقية من ولايته لن تكون امتداداً تشريعياً سهلاً للمرحلة السابقة.
ثانياً: ماذا تقول الخريطة الانتخابية؟
اللافت في هذه الانتخابات ليس مجرد انتقال مقاعد من الجمهوريين إلى الديمقراطيين، بل اتساع نطاق التغيير الجغرافي لدى الولايات المتعددة، فقد سجل الديمقراطيون اختراقات في ولايات كانت تُحسب تقليدياً ضمن المجال الجمهوري، ومن أبرزها:
- تكساس: اختراق ولاية ذات وزن انتخابي وسياسي كبير للجمهوريين.
- آيوا: تراجع الدعم الجمهوري في ولاية فاز بها ترامب عام 2024.
- كانساس: انتقال مقعد في مجلس الشيوخ إلى الديمقراطيين بعد عقود من الهيمنة الجمهورية.
- أوهايو: خسارة الجمهوريين موقعاً في ولاية تنافسية.
- كارولاينا الشمالية: مكاسب ديمقراطية في الانتخابات التشريعية والتنفيذية.
- مين: خسارة الحزب الجمهوري سوزان كولينز مقعدها أمام تروي جاكسون.
- كارولاينا الجنوبية: تسجيل اختراق ديمقراطي في سباق مجلس الشيوخ..
كما حقق الديمقراطيون مكاسب في مناطق انتخابية كان ترامب قد فاز بها بفوارق كبيرة في الانتخابات الرئاسية.
ما أهمية ذلك؟:
الانتخابات الأميركية لا تُقرأ فقط بعدد المقاعد، وإنما بمدى اتساع الخريطة التي استطاع الحزب الديمقراطي اختراقها، وعندما يخسر حزب حاكم مقاعد في ولايات متأرجحة، فهذا قد يكون جزءاً من التنافس الطبيعي، أما عندما تمتد الخسائر إلى مناطق كانت تُعد قواعد انتخابية آمنة، فإن ذلك يستدعي البحث في طبيعة التحولات داخل القاعدة الشعبية نفسها.
وهنا تظهر ثلاثة احتمالات تفسيرية:
* تراجع حماسة الناخبين الذين دعموا ترامب في 2024.
* انتقال بعض المستقلين والناخبين المعتدلين إلى التصويت للديمقراطيين.
* تحوّل الانتخابات من منافسة بين برامج محلية إلى استفتاء على أداء الإدارة الفيدرالية، على إدارة الرئيس ترامب نفسه. وهو تقدير مرجح.
ولا يعني ذلك أن جميع الناخبين الذين صوّتوا للديمقراطيين أصبحوا مؤيدين لبرنامجهم السياسي كاملاً، فقد يكون بعضهم صوّت اعتراضاً على أداء الجمهوريين، أكثر من كونه تأييداً مطلقاً للمعارضة.
ثالثاً: الاقتصاد، العامل الأكثر تأثيراً في سلوك الناخب الأمريكي. إذا اردنا فهم هذه الانتخابات من جذورها، فلا بد من وضع الاقتصاد في مقدمة التحليل.
أظهرت دراسة مركز بيو للأبحاث المنشورة يوم 8 تشرين الأول 2026 أن:
- 84 % من الناخبين المسجلين اعتبروا الاقتصاد مهماً جداً في اختيارهم.
- 68 % أعطوا الرعاية الصحية أهمية كبيرة.
- 62 % اعتبروا التعليم من القضايا المهمة جداً.
- 59 % أعطوا الهجرة هذه الأهمية.
- 57 % اعتبروا السياسة الخارجية مؤثرة في قرارهم الانتخابي.
وهذه الأرقام تكشف أمراً بالغ الأهمية: الناخب الأميركي لا يعيش السياسة باعتبارها خطابات ومواقف أيديولوجية فقط، وإنما باعتبارها انعكاساً مباشراً على قدرته على دفع الإيجار، وشراء الغذاء، وتوفير الرعاية الصحية، وتعبئة سيارته بالوقود.
وهنا ينبغي قراءة نتائج الانتخابات باعتبارها محاسبة على النتائج الاقتصادية الملموسة، لا على الوعود الانتخابية وحدها، ولذلك يمكن السؤال، ما الذي أضر بالجمهوريين اقتصادياً؟:
هناك مجموعة من الملفات التي تداخلت:
* ارتفاع تكاليف المعيشة، والضغوط على الأسر.
* أسعار الوقود والطاقة.
* تكاليف السكن والرعاية الصحية.
* الرسوم الجمركية وانعكاساتها على الأسعار والتجارة.
* القلق من أثر السياسات المالية على الخدمات الاجتماعية.
وقد ربط تقرير مجلس العلاقات الخارجية بين الحرب مع إيران، والسياسات التجارية والرسوم الجمركية، وبين تكاليف الوقود والغذاء والميزانيات العائلية.
وهنا تظهر مفارقة سياسية مهمة: قد تكون لدى الإدارة حجج اقتصادية لتبرير سياساتها، لكن الناخب لا يحاسب الإدارة على نواياها أو مبرراتها بقدر ما يحاسبها على ما يؤثر عليه في حياته اليومية.
والدرس السياسي هنا: الاقتصاد لا يمنح الرئيس حصانة انتخابية، حتى ولو امتلك خطاباً شعبوياً قوياً وقاعدة جماهيرية منظمة.
رابعاً: على ترامب شخصيا، هل كانت الانتخابات استفتاءً على الرئيس؟
ترامب جعل نفسه حاضراً في الانتخابات، وطلب من الناخبين التعامل معها، وكأن اسمه موجود على ورقة الاقتراع، وهذا يعني أنه اختار أن يجعل من النتائج اختباراً لسياساته، وشخصيته السياسية.
قبل الانتخابات، أظهر استطلاع مركز بيو أن 30 % من الأميركيين يوافقون على أدائه الرئاسي، مقابل 68 % لا يوافقون عليه، كما انخفضت نسبة التأييد بين من صوّتوا له في انتخابات 2024 بصورة ملحوظة، لكن يجب التمييز بين ثلاث مستويات:
1 - ترامب بوصفه رئيساً، النتيجة تمثل خسارة سياسية لإدارته، لأن حزبه فقد السيطرة على المؤسستين التشريعيتين.
2 - ترامب بوصفه زعيماً للحزب الجمهوري، والخسارة تفتح نقاشاً داخل الحزب حول كلفة ربط المرشحين المحليين بصورة الرئيس، ومدى قدرة الحزب على الاحتفاظ بالناخبين المستقلين والشباب واللاتينيين.
3 - ترامب بوصفه شخصية انتخابية، والنتائج لا تعني اختفاء تأثيره، أو انتهاء قدرته على تحريك قاعدته الشعبية، فالرئيس ما زال يمتلك جمهوراً مؤيداً، وقد أثبتت الانتخابات أن قاعدة الجمهوريين لم تختفِ، وإنما تعرضت لتحولات وانقسامات في بعض الولايات والشرائح.
الأهم أن ترامب، وفق ما نقلته وكالة أسوشيتد برس، هنأ الديمقراطيين على أدائهم، لكنه رفض اعتبار النتائج حكماً مباشراً عليه، وألقى بالمسؤولية على بعض المرشحين الجمهوريين، وهذه النقطة ستصبح جزءاً من الصراع داخل الحزب الجمهوري، هل المشكلة في المرشحين، أم في السياسات، أم في طريقة إدارة العلاقة بين البيت الأبيض والناخبين؟.
خامساً: التحولات الديموغرافية لدى الشباب واللاتينيين، حيث يعيدون رسم الخريطة الانتخابية، ومن أبرز المؤشرات التي رصدتها وكالة أسوشيتد برس، هي استفادة الديمقراطيين من تحولات في تصويت الناخبين الشباب واللاتينيين، مما أضعف جزءاً من التحالف الانتخابي الذي ساعد ترامب على الفوز، وهذه المسألة تستحق التوقف عندها، فالناخب اللاتيني ليس كتلة سياسية واحدة، والناخب الشاب ليس بالضرورة ديمقراطياً أو جمهورياً بصورة ثابتة.
في الانتخابات السابقة، استطاع ترامب توسيع قاعدة الجمهوريين بين شرائح من الناخبين اللاتينيين، مستفيداً من ملفات الاقتصاد والهجرة والهوية الاجتماعية، لكن التصويت الأخير يشير إلى أن هذا الدعم ليس مضموناً، وأن الناخب الذي يمنح صوته لحزب في الانتخابات الرئاسية قد يعيد النظر في موقفه بعد عامين عندما يختبر نتائج الحكم، كما أن الشباب ينظرون إلى قضايا العمل والسكن والديون التعليمية والحريات ومستقبل الديمقراطية، باعتبارها ملفات لا يمكن اختزالها في قضية واحدة.
ومن المهم هنا الإشارة إلى فوز الديمقراطي عبد الرحمن السيد في سباق مجلس الشيوخ بولاية ميشيغان، ليصبح أول عضو مسلم في مجلس الشيوخ الأمريكي، كما حققت بيغي فلاناغان فوزاً تاريخياً يجعلها أول امرأة من السكان الأصليين تصل إلى المجلس.
هذه النتائج تحمل دلالات تتعلق بالتنوع والتمثيل السياسي، لكنها لا تعني أن هوية المرشح وحدها هي التي صنعت الفوز، فالبرنامج والتحالفات والظروف المحلية عوامل لا يمكن فصلها عن النتيجة.
سادساً: مجلسا النواب والشيوخ، أين تكمن القوة بعد الانتخابات؟
لفهم النتائج لا بد من فهم طبيعة النظام الأمريكي، فالكونغرس ليس مؤسسة واحدة، بل يتكون من مجلسين مختلفين في التمثيل والصلاحيات.
مجلس النواب:
يتكون من 435 عضواً، وتُجرى الانتخابات لجميع مقاعده كل عامين، وهو المجلس الذي يمتلك صلاحيات مهمة في التشريع والموازنة والرقابة وبدء إجراءات العزل الرئاسي.
سيطرة الديمقراطيين عليه تمنحهم قدرة على:
* تعطيل أو تعديل مشاريع القوانين التي تقدمها الإدارة.
* فتح تحقيقات رقابية في أداء المؤسسات الحكومية.
* استدعاء المسؤولين للاستماع إليهم في جلسات علنية.
* التدقيق في الإنفاق الحكومي والعقود والقرارات التنفيذية.
* إطلاق إجراءات العزل إذا توافرت أسبابها والأغلبية المطلوبة.
مجلس الشيوخ:
يتكون من 100 عضوا، وتُجدد ثلث مقاعده كل عامين،
وتكمن أهمية دوره في:
* المصادقة على كبار التعيينات الحكومية والقضائية.
* الموافقة على السفراء وكبار المسؤولين.
* التصديق على المعاهدات وفق الشروط الدستورية.
* المشاركة في التشريع والموازنة.
* محاكمة الرئيس في حال إحالة اتهام إليه من مجلس النواب.
وبعد انتقال السيطرة إلى الديمقراطيين في المجلسين، أصبحت الإدارة الجمهورية أمام معادلة مختلفة تماماً.
لكن يجب الانتباه إلى نقطة دستورية وهي:
امتلاك الأغلبية البسيطة في مجلس الشيوخ لا تعني القدرة على تمرير كل التشريعات، فالكثير من التشريعات يحتاج إلى 60 صوتاً لإنهاء التعطيل الإجرائي، ما لم تنطبق استثناءات مثل المصالحة المتعلقة بالموازنة، كما أن الرئيس يحتفظ بحق النقض، ويمكن للكونغرس تجاوز الفيتو بأغلبية الثلثين لدى المجلسين، إذن نحن أمام انتقال لمركز الثقل الرقابي والتشريعي، وليس انتقالاً للسلطة التنفيذية.
سابعاً: هل يدخل ترامب مرحلة الصدام مع الكونغرس؟.
هذا أحد أهم السيناريوهات السياسية للعامين المقبلين، هناك ثلاث مسارات محتملة:
المسار الأول: المواجهة السياسية، قد يستخدم الديمقراطيون أغلبيتهم في المجلسين لفتح ملفات الإدارة، والتحقيق في قراراتها، ومراجعة السياسات المالية والإدارية، ومساءلة المسؤولين.
وقد يرد البيت الأبيض باتهام المعارضة بعرقلة برنامجه الانتخابي، وتوظيف التحقيقات سياسياً.
المسار الثاني: التفاوض والصفقات السياسية قد تضطر الإدارة إلى التفاوض مع الديمقراطيين في ملفات الموازنة والإنفاق والضرائب والهجرة والرعاية الصحية، وهنا قد نشهد اتفاقات جزئية، حتى بين أطراف متعارضة، عندما تكون المصالح الاقتصادية أو السياسية مشتركة.
المسار الثالث: تعطيل متبادل، إذا تحولت العلاقة إلى مواجهة مفتوحة، فقد تتعطل مشاريع تشريعية، وتزداد احتمالات الأزمات المتعلقة بتمويل الحكومة، وقد تدخل الولايات المتحدة في جولات من الصراع على الموازنة والإنفاق الفيدرالي، والنتيجة أن ترامب قد يحتفظ بسلطة القرار التنفيذي في ملفات واسعة، لكنه سيواجه صعوبة أكبر في تحويل بعض وعوده إلى قوانين دائمة.
ثامناً: السياسة الخارجية، هل تتغير واشنطن تجاه العالم؟.
هنا نصل إلى الجانب الذي يهمنا عربياً وأردنياً بصورة مباشرة.
لا يجوز قراءة الانتخابات الأمريكية على أنها مجرد منافسة داخلية، فالولايات المتحدة قوة دولية تؤثر قراراتها في الأمن والطاقة والتجارة والتحالفات والحروب، وقد كشفت انتخابات 2026 أن السياسة الخارجية لم تعد بعيدة عن حياة الناخب الأمريكي.
فوفق استطلاع بيو، اعتبر 57 % من الناخبين السياسة الخارجية مهمة جداً لقرارهم الانتخابي، كما ربط مجلس العلاقات الخارجية بين الحرب مع إيران وبين أسعار الوقود والسلع وتكاليف المعيشة.
وتفصيل الملفات كما يلي:
1 - الشرق العربي والمستعمرة الإسرائيلية، هذا الملف من أكثر الملفات حساسية، فوز الديمقراطيين لا يعني تلقائياً حدوث تحول جذري في السياسة الأمريكية تجاه المستعمرة، ولا يعني أن الحزب الديمقراطي أصبح موحداً حول موقف واحد من القضية الفلسطينية، واستحقاقاتها، ولذلك علينا أن ندرك أن داخل الحزب الديمقراطي اتجاهات متعددة:
* تيار تقليدي يؤيد استمرار التحالف الاستراتيجي مع المستعمرة.
* تيار ينتقد سياسات الحكومات الإسرائيلية، نحو ما جرى في غزة، وفي الضفة الغربية على يد المستوطنين المستعمرين.
* تيار تقدمي بدء يطالب بربط المساعدات العسكرية بشروط تتعلق بحقوق الإنسان والقانون الدولي، وهو تيار بدأ يبرز تدريجياً لدى الديمقراطيين.
* تيار يركز على حماية المصالح الأمريكية والاستقرار الإقليمي، مع اختلاف تقديراته للأدوات المطلوبة.
وهنا تبرز دلالة مهمة: إعلان ترامب، في يوم الانتخابات، أن الولايات المتحدة ستنهي المساعدات العسكرية للمستعمرة مع نهاية العام، وفق ما نشرته صحيفة الغارديان، يكشف أن ملف العلاقة مع تل أبيب أصبح حاضراً في النقاش السياسي الداخلي الأمريكي، وإن كانت طبيعة الإعلان وتداعياته تحتاج إلى متابعة رسمية، لكن هل ستتحول الأغلبية الديمقراطية الجديدة إلى ضغط فعلي لتغيير العلاقة مع المستعمرة؟.
هذا سؤال مفتوح، والإجابة تتوقف على مواقف القيادات الديمقراطية، والتوازنات داخل الحزب، والقرارات التنفيذية للرئيس، ومصالح المؤسسات الأمريكية.
والأهم بالنسبة لنا عربياً أن نميز بين ثلاثة أمور:
* العلاقة الاستراتيجية الأمريكية الإسرائيلية.
* الدعم الأمريكي للحكومات والسياسات الإسرائيلية.
* الموقف الأمريكي من حقوق الشعب الفلسطيني وقيام دولته.
هذه ليست بالضرورة مواقف متطابقة، ويمكن أن يتغير أحدها دون أن ]تغير الآخران بالقدر نفسه.
2 - الحرب مع إيران، الحرب مع إيران كانت من العوامل التي حضرت في النقاش الانتخابي، ليس فقط من زاوية الأمن القومي، بل من زاوية كلفتها الاقتصادية والعسكرية، وهنا يبرز السؤال: هل تستطيع الأغلبية الديمقراطية الجديدة فرض رقابة أشد على قرارات الإدارة العسكرية والخارجية؟.
الإجابة أن الكونغرس يستطيع ممارسة رقابة على التمويل العسكري والإنفاق والقرارات المتعلقة بالحرب، واستخدام صلاحياته التشريعية، لكن الرئيس يظل القائد الأعلى للقوات المسلحة، ويتمتع بصلاحيات تنفيذية ودستورية مهمة في السياسة الخارجية، ومن ثم، فإن النتيجة قد ترفع مستوى المساءلة السياسية عن الحرب.
3 - الحرب الروسية الأوكرانية، قد تعود المساعدات الأمريكية لأوكرانيا إلى دائرة التفاوض التشريعي بصورة أكثر تعقيداً، فالديمقراطيون والجمهوريون ليسوا كتلتين متطابقتين في هذا الملف، إذ توجد اختلافات داخل الحزبين حول حجم المساعدات، وأولويات الأمن الأوروبي، وحدود الانخراط الأمريكي.
وقد تصبح المساعدات موضوعاً للمساومة السياسية والرقابة على الإنفاق.
4 - الصين والتنافس الدولي، لا أتوقع أن يكون انتقال السيطرة على الكونغرس كافياً لإحداث انقلاب في النظرة الأمريكية إلى الصين.
فالتنافس الاقتصادي والتكنولوجي والعسكري مع بكين يتجاوز الانقسام الحزبي، وإن اختلف الحزبان في أدوات التعامل معه.
5 - الرسوم الجمركية والتجارة الدولية، قد يصبح الملف التجاري من ساحات المواجهة بين الكونغرس والبيت الأبيض، خصوصاً إذا اعتبر الديمقراطيون أن الرسوم ترفع تكاليف السلع على المستهلك الأمريكي وتضر بالمزارعين والشركات.
وهذا الملف يهم العالم العربي أيضاً، لأن أي تعديل في السياسة التجارية الأمريكية قد ينعكس على الأسواق وسلاسل التوريد والاستثمار.