اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
النسخة الكاملة

أردنيون يشعرون بالحنين لزمن الهاتف الأرضي

الإثنين-
جفرا نيوز -
من هاتف أرضي في غرفة الجلوس، إلى كابينة اتصال في أحد شوارع عمّان، ثم إلى هاتف ذكي يرافق صاحبه طوال اليوم؛ تغيّرت أدوات التواصل في الأردن، وتغيّرت معها كلفته وعاداته وقواعده.

فالمكالمة التي كانت تحتاج إلى انتظار وموعد، أصبحت اليوم متاحة في أي وقت، فيما انتقل الإنفاق من الدقائق والرسائل إلى البيانات والأجهزة والتطبيقات والخدمات الرقمية.

لكن الأرقام لا تحكي وحدها قصة التحول؛ فقبل أن يصبح لكل فرد هاتفه، كان الاتصال جزءًا من حياة البيت، وله موعد وطقوس وانتظار.

يستعيد إسماعيل أحمد، 68 عامًا، صورة الهاتف الأرضي في منزل العائلة خلال سبعينيات القرن الماضي، حين كان الهاتف ملكًا للبيت كله.

يقول: «كان الهاتف في غرفة الجلوس، وإذا رنّ يركض إليه من يكون أقرب. لم يكن لكل شخص هاتفه، ولذلك كانت المكالمة تخص البيت كله. وإذا كان المتصل أحد الأبناء من الخارج، يجتمع أفراد الأسرة حوله، وكل واحد ينتظر دوره ليتحدث دقيقة أو دقيقتين».

ويضيف: «كنا أحيانًا نعرف أن فلانًا سيتصل في ساعة معينة، فنظل ننتظر رنين الهاتف. وإذا تأخر، يبدأ القلق: هل اتصل ولم نسمع؟ هل حدث شيء؟».

 أما سعاد جميل، 64 عامًا، فتتذكر كابينات الاتصالات في ثمانينيات القرن الماضي، حين كان الاتصال يعني الخروج من المنزل، وانتظار الدور، وحساب كلفة الحديث قبل أن تبدأ المكالمة.

تقول: «كنا نذهب إلى الكابينة ومعنا النقود، وننتظر دورنا. وكان الشخص قبل أن يرفع السماعة يعرف ماذا سيقول، لأن إطالة المكالمة تعني كلفة أكبر. أحيانًا نكتب بعض الأرقام أو الأخبار على ورقة حتى لا ننسى شيئًا أثناء الحديث».

 وتستعيد اتصالات الأقارب المغتربين، التي كانت تجمع أفراد العائلة حول صوت واحد يأتي من بعيد: «إذا عرفنا أن أحدًا من العائلة سيتصل من الخليج، كان الجميع ينتظر. تسمع صوته، ويسأل عن الأولاد والبيت والأقارب، ثم ينتهي الوقت سريعًا. وبعد أن يغلق الخط، نبقى نتحدث عن المكالمة».

 وفي بدايات التسعينيات، كان الهاتف الخلوي لا يزال بعيدًا عن أن يصبح رفيقًا دائمًا. ويستعيد عمر هشام، 71 عامًا، زمنًا كان فيه غياب أحد أفراد الأسرة يعني الانتظار حتى عودته.

يقول: «إذا خرج أحد الأبناء من البيت، لم تكن هناك طريقة سهلة لمعرفة أين هو. إذا تأخر، ينتظر الأهل عودته. وإذا كان مسافرًا، فالاتصال به ليس متاحًا في كل لحظة. كان وصول خبر منه يطمئن البيت كله».

ويضيف: «أذكر أن بعض الجيران كانوا يضعون أرقام أقاربهم عندنا لأن الهاتف لم يكن موجودًا في كل بيت. إذا جاء اتصال، نذهب وننادي الشخص من بيته. كان الهاتف أحيانًا وسيلة تواصل بين أكثر من عائلة، وليس بين صاحب الهاتف وحده».

 تختصر هذه الذكريات تحولًا أكبر من مجرد تطور في الجهاز؛ فالهاتف الذي كان يجمع أفراد الأسرة والجيران حول رنين واحد، أصبح جهازًا شخصيًا يحمل لكل فرد عالمه الخاص.

ومع الهاتف الذكي، لم تعد كلفة التواصل تُقاس بالدقيقة وحدها. فالمستخدم يدفع مقابل الإنترنت والجهاز والتطبيقات والخدمات الرقمية، فيما أصبح الهاتف بوابة للعمل والدراسة والترفيه وإنجاز المعاملات، إلى جانب الاتصال.

 وتؤكد أرقام هيئة تنظيم قطاع الاتصالات هذا الانتقال؛ فقد ارتفع استهلاك البيانات عبر شبكات الاتصالات المتنقلة عريضة النطاق من 674.9 مليون جيجابايت في الربع الأول من 2025 إلى نحو 844 مليون جيجابايت في الربع الأول من 2026، بينما هبطت الرسائل النصية من 422.9 مليونًا إلى 173 مليون رسالة.

كما ارتفعت اشتراكات الجيل الخامس المتنقل إلى نحو 433.4 ألف اشتراك، مقارنة بنحو 320.7 ألف اشتراك في الربع الأخير من 2025، وبنمو يقارب 35%.

وبالنسبة إلى جيل اليوم، لم يعد الهاتف وسيلة للحديث فقط.

 تقول سجى عماد، 24 عامًا: «أستطيع خلال دقائق أن أتواصل مع أي شخص، وأراه وأرسل له ملفًا أو صورة أو موقعًا. الهاتف بالنسبة إليّ جزء من العمل والدراسة والحياة اليومية، وليس مجرد وسيلة للحديث».

ويقول عدي سامر، 29 عامًا: «نحن لا ننتظر اتصالًا في ساعة محددة. إذا أردت شخصًا أرسل له رسالة، وإذا لم يرد أرسل له صوتًا، وإذا كان الأمر مهمًا أتصل به أو أتحدث معه بالفيديو. أصبح التواصل متاحًا طوال الوقت».

لكن سهولة الوصول إلى الآخر غيّرت أيضًا معنى الانتظار وقواعد التواصل. تقول نور أحمد، 27 عامًا: «في الماضي، إذا اتصلت بشخص ولم تجده، تنتهي المسألة. اليوم تستطيع أن ترى أن رسالتك وصلت إليه، ولذلك يصبح عدم الرد أحيانًا مصدر تساؤل».

ويقول قاسم جهاد، 31 عامًا: «عندما يرن الهاتف فجأة، أتساءل أحيانًا إن كان هناك أمر مهم. أصبح الناس يرسلون رسالة أولًا قبل الاتصال، خصوصًا إذا كان الموضوع غير عاجل».

 ويرى أستاذ علم الاجتماع الدكتور حسين خزاعي أن التحول الرقمي لم يغيّر وسيلة التواصل فقط، بل أثر في طبيعة العلاقات الاجتماعية نفسها، بعدما حل التواصل عبر المنصات في كثير من الأحيان محل الزيارات واللقاء المباشر.

ويقول إن التواصل الرقمي لا ينقل دائمًا المشاعر التي ينقلها اللقاء الوجاهي، مشيرًا إلى أن الضغط الناتج عن توقع سرعة الرد قد يتحول بدوره إلى عبء نفسي واجتماعي ومادي.

ويؤكد خزاعي أن المشكلة ليست في التكنولوجيا ذاتها، وإنما في طريقة استخدامها، داعيًا إلى الحفاظ على الزيارات والتواصل المباشر، خصوصًا بين الأقارب والجيران.

من رنين هاتف كان يجمع العائلة حوله، إلى شاشة يحملها كل فرد في يده، لم يتغير شكل التواصل فقط؛ بل تغيّرت كلفته، ووقته، ومساحته الاجتماعية.

صار الوصول إلى الآخر أسهل وأسرع وأقل ارتباطًا بالمكان، لكن بقي شيئًا آخر؛ فالرسالة قد تختصر المسافة، والمكالمة قد تنقل الصوت، والشاشة قد تنقل الصورة، إلا أن الحضور الإنساني لا يزال له اقتصاد مختلف لا تقيسه البيانات.

الدستور – ديما الدقس


© جميع الحقوق محفوظة لوكالة جفرا نيوز 2024
تصميم و تطوير