اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
النسخة الكاملة

النبابته لـ"جفرا": باب المندب والنبضة الكهرومغناطيسية .. اختبار جديد لأمن الطاقة في المنطقة

الإثنين-2026-09-14 11:27 am
جفرا نيوز -
اياد العدوان

حذّر خبير الطاقة السابق حامد النبابته "المستشار السابق لوزير الطاقة والثروة المعدنية وفي صندوق الأوبك للتنمية الدولية"
من أن استمرار التصعيد والتوترات في المنطقة، بالتزامن مع الضغوط التي تواجه حركة الملاحة في مضيقي هرمز وباب المندب، قد يقود إلى تداعيات تتجاوز الجانب الأمني والعسكري، لتطال أسواق النفط والغاز، وكلف النقل والتأمين، وسلاسل الإمداد، والنمو الاقتصادي في دول المنطقة، مشيراً إلى أن استمرار الأزمة لفترة أطول قد يفرض إعادة حسابات واسعة في مفهوم أمن الطاقة والمرونة الوطنية.

وقال النبابته في حديثه لـ"جفرا نيوز" ان القراءة التقليدية لأمن الطاقة كانت تقوم على ضمان توفر مصادر الطاقة وتأمين طرق نقلها، إلا أن التطورات الحالية تفرض توسيع هذه الرؤية لتشمل قدرة الدول على الاستمرار في تقديم الخدمات الأساسية حتى في حال تعرض أكثر من مكوّن في منظومة الطاقة والبنية التحتية للضغط في الوقت نفسه.

وأوضح أن التحدي لم يعد محصوراً في هرمز أو باب المندب كلٌ على حدة، وإنما في احتمال تعرض أكثر من ممر حيوي للضغط في الوقت ذاته، لأن البدائل الموجودة على الخريطة لا تعني بالضرورة امتلاك قدرة فعلية على استيعاب كامل التدفقات.

وأضاف أن اضطراب الملاحة لا يحتاج إلى إغلاق كامل للممرات البحرية حتى يبدأ تأثيره الاقتصادي، إذ إن ارتفاع مستوى المخاطر الأمنية وحده يمكن أن يدفع شركات النقل إلى إعادة تقييم مساراتها، ويرفع أقساط التأمين وكلفة الشحن، ويؤثر في حركة الناقلات، وبالتالي ينعكس على أسعار الطاقة والسلع.

وأشار النبابته إلى أن التأثير الاقتصادي قد يكون أكثر تعقيداً بالنسبة للدول المنتجة للنفط والغاز، موضحاً أن ارتفاع الأسعار لا يعني بالضرورة تحقيق مكاسب صافية، إذا تزامن مع انخفاض الكميات المصدرة وارتفاع تكاليف النقل والتأمين واضطراب سلاسل التوريد وتراجع النمو الاقتصادي.

وقال إن المعادلة لا يمكن اختزالها في سعر النفط فقط؛ لأن ارتفاع السعر إذا ترافق مع انخفاض الكميات أو ارتفاع تكلفة الوصول إلى الأسواق، فقد لا يعوض الخسائر الناتجة عن اضطراب المنظومة.

ولفت إلى أن دول الخليج تتمتع بقدرات مالية وبنى تحتية تساعدها على امتصاص جزء من الصدمات، لكنها في الوقت ذاته ترتبط بمنظومة شديدة التعقيد تشمل إنتاج النفط والغاز، والموانئ، وخطوط الأنابيب، والمصافي، ومحطات الكهرباء، ومحطات تحلية المياه، والاتصالات، ومراكز البيانات، ما يجعل أي اضطراب طويل في الطاقة أو الكهرباء قادراً على إنتاج آثار متسلسلة في قطاعات متعددة.

وفي هذا الإطار، دعا النبابته إلى التعامل بجدية مع سيناريوهات المخاطر الكهرومغناطيسية، موضحاً أن الحديث عن النبضة الكهرومغناطيسية لا يعني التنبؤ باستخدامها أو وجود معلومات تؤكد وقوعها، وإنما إدخالها ضمن سيناريوهات المخاطر التي ينبغي أن تدرسها الدول، خصوصاً أن الإمكانية الفنية للتأثير على بعض مكونات البنية التحتية موجودة من حيث المبدأ.

وأوضح أن الاضطرابات الكهرومغناطيسية يمكن أن ترتبط بسيناريوهات مختلفة، بينها أحداث ذات طبيعة عسكرية، كما يمكن أن تنتج بعض التأثيرات الجيومغناطيسية عن ظواهر طبيعية شديدة مرتبطة بالنشاط الشمسي.

وأكد أن القضية الأساسية بالنسبة لصانع القرار ليست مصدر الخطر بقدر ما هي القدرة على حماية الشبكات واستعادة الخدمة في حال تعرضها لاضطراب واسع.

وقال النبابته إن الاقتصاد الحديث لا يحتاج إلى تدمير المباني حتى يتوقف، ففي بعض الحالات يكفي أن تتوقف الأنظمة التي تجعل هذه المباني والمنشآت تعمل، مشيراً إلى أن المستشفيات ومحطات المياه والتحلية والمطارات والموانئ ومراكز الاتصالات والبيانات والمنشآت الصناعية والنفطية والغازية تعتمد بصورة مباشرة أو غير مباشرة على الكهرباء وأنظمة التحكم.

وأضاف أن أي انقطاع واسع لا ينبغي النظر إليه باعتباره مشكلة كهرباء فقط، لأن توقف الكهرباء قد يؤدي إلى توقف المياه والاتصالات والخدمات الصحية والنقل والإنتاج، وهو ما يحول العطل الفني إلى أزمة اقتصادية واجتماعية.

وأشار إلى أهمية أن تمتلك الدول خططاً واضحة لإعادة تشغيل الشبكات بعد الانقطاعات الواسعة، وتأمين المعدات وقطع الغيار ذات الأهمية الاستراتيجية، خصوصاً المكونات التي يصعب استبدالها خلال فترة قصيرة، إلى جانب حماية أنظمة التحكم SCADA وتعزيز قدرات Black Start.

وأوضح أن مرونة الشبكات لا تقاس فقط بقدرتها على العمل في الظروف الطبيعية، وإنما بقدرتها على الاستعادة السريعة بعد الصدمات، مؤكداً أن الدولة التي تبدأ الاستعداد بعد وقوع الانقطاع تكون قد فقدت أهم عنصر في إدارة الأزمة، وهو الوقت.

ويرى النبابته أن مدة الأزمة ستكون عاملاً حاسماً في تحديد حجم آثارها الاقتصادية، موضحاً أن أزمة قصيرة يمكن للأسواق امتصاص جانب كبير منها، بينما قد تؤدي أزمة متوسطة إلى ارتفاع مستمر في تكاليف النقل والطاقة والتأمين، في حين أن الأزمة الممتدة قد تتسبب في تغييرات طويلة الأمد في خريطة التجارة والطاقة وسلاسل الإمداد.

وقال إن الأزمة لا تحتاج إلى إغلاق كامل للممرات حتى تحدث موجة جديدة من الصدمات، فإذا أصبحت الطرق البديلة تعمل بالقرب من طاقتها القصوى، فإن أي تصعيد إضافي يمكن أن يعيد إنتاج الأزمة من جديد.

وأكد أن الدول مطالبة بالتفكير في مرحلة ما بعد الأزمة أيضاً، لأن استمرار المخاطر لفترة طويلة قد يدفع الشركات والدول إلى إعادة تقييم مواقع التخزين والتكرير، ومسارات النقل، وحجم المخزونات الاستراتيجية، وحتى قرارات الاستثمار المستقبلية.

وفيما يتعلق بالأردن، قال النبابته إن المملكة ورغم عدم كونها دولة منتجة للنفط، تمتلك مجموعة من عناصر القوة التي يمكن البناء عليها لتعزيز قدرتها على مواجهة الصدمات الإقليمية، وفي مقدمتها الموقع الجغرافي، والربط الكهربائي الإقليمي، والخبرة المؤسسية، والتوسع في مشاريع الطاقة المتجددة، وإمكانية تطوير البنية اللوجستية.

ورأى أن المطلوب هو الانتقال من مفهوم الدولة التي تتلقى الصدمة إلى مفهوم الدولة التي تكسر الصدمة، من خلال تطوير منظومة وطنية متكاملة للمرونة، لا تقتصر على قطاع الطاقة وحده.

وأشار إلى أهمية تعزيز تنويع مصادر الطاقة، وزيادة قدرات التخزين، وتأمين مخزونات استراتيجية من الوقود والمعدات الحيوية، وتطوير قدرات إعادة تشغيل الشبكة، ورفع جاهزية قطاعات المياه والصحة والاتصالات والنقل للتعامل مع انقطاع طويل أو اضطراب إقليمي واسع.

وشدد على أن التخطيط يجب أن يركز على الخدمات التي لا يمكن السماح بتوقفها، وليس محاولة حماية كل شيء بالمستوى نفسه.

وقال ان المبدأ ليس كيف نحمي كل شيء، وإنما ما الذي يجب ألا يتوقف أبداً؟، مضيفاً أن الإجابة عن هذا السؤال يجب أن تكون جزءاً من استراتيجية الأمن الوطني، لأن استمرارية الكهرباء والمياه والاتصالات والصحة والنقل لا تقل أهمية في بعض السيناريوهات عن حماية المنشآت الحيوية الأخرى.

وأكد النبابته على أن مفهوم أمن الطاقة تغير بصورة جوهرية، مشيراً الى ان مضيق هرمز وباب المندب لا يمثلان مجرد ممرين بحريين، كما أن المخاطر الكهرومغناطيسية ليست قضية تقنية منفصلة، بل جميعها حلقات في منظومة واحدة تتعلق بقدرة الدول على الحفاظ على استمرارية اقتصادها وخدماتها الأساسية في مواجهة الصدمات.

ونوه الى انه قد تنتهي الأزمة الحالية بيوم وربما تمتد لأسابيع أو لأشهر، وقد تتغير مساراتها بصورة لا يتوقعها أحد، لكن ما لا ينبغي تأجيله هو الاستعداد، لأن الدولة التي تستعد لأسوأ الاحتمالات لا تتمنى وقوعها، وإنما تعمل على منع الأزمة من التحول إلى انهيار.
© جميع الحقوق محفوظة لوكالة جفرا نيوز 2024
تصميم و تطوير