جفرا نيوز -
خاص
لم يعد قرار دولة رئيس الوزراء الدكتور جعفر حسان بالتوسع في مشروع النقل المدرسي المجاني في البادية الجنوبية مجرد استجابة لحاجة خدمية، بل أصبح نموذجاً لقرار حكومي يلتقي فيه الاقتصادي بالتنموي والاجتماعي والتعليمي في نقطة واحدة، فالمرحلة الجديدة التي تشمل 3500 طالب وطالبة إضافيين اعتباراً من الفصل الدراسي الثاني، ترفع عدد المستفيدين إلى 12,500 طالب وطالبة، إلى جانب قرابة 900 معلم ومعلمة، بعد أن بدأت المرحلة الأولى بـ61 مدرسة و120 حافلة. وهنا تكمن أهمية القرار،، الدولة لا تنقل الطالب من منزله إلى مدرسته فقط، بل تعيد توزيع كلفة الوصول إلى التعليم، بحيث لا تبقى المسافة الجغرافية عبئاً مالياً متكرراً على الأسرة.
اقتصادياً، المشروع أعمق بكثير من مجرد إعفاء الطالب من أجرة النقل، فهو يخفف بنداً مالياً يومياً ومتكرراً عن الأسر، خصوصاً في المناطق التي تفرض طبيعتها الجغرافية مسافات طويلة بين التجمعات والمدارس، وما توفره الأسرة من نفقات النقل يمكن أن يعاد توجيهه إلى الغذاء أو الصحة أو التعليم أو الاحتياجات الأساسية الأخرى، بما يعني أن الإنفاق الحكومي هنا لا يذهب إلى خدمة استهلاكية عابرة، بل يعود بصورة غير مباشرة إلى الاقتصاد المحلي عبر زيادة القدرة الشرائية للأسر، والأهم أن الوفر لا يُقاس بالدينار فقط، فالوقت الذي يستنزفه التنقل الطويل يتحول إلى وقت للدراسة والراحة والإنتاج، وهو ما يجعل المشروع استثماراً في رأس المال البشري قبل أن يكون إنفاقاً على الحافلات.
والبعد الاقتصادي يمتد كذلك إلى تقليص الكلف الخفية المرتبطة ببعد المدارس وصعوبة الوصول إليها؛ فانتظام الطالب في المدرسة والحد من الغياب والتسرب يعنيان حماية للاستثمار التعليمي الذي تنفقه الدولة والأسرة معاً. وقد أشارت وزارة التربية إلى أن المشروع أسهم في معالجة تحديات النقل، وخفض العبء المالي عن أولياء الأمور، وتعزيز الانتظام المدرسي والحد من الغياب والتسرب في المناطق المستفيدة، ومن هذه الزاوية، فإن كل طالب يبقى في المدرسة وينتظم في تعليمه هو عائد مستقبلي على الاقتصاد الوطني، لأن الإنفاق على التعليم لا يكتمل أثره إلا عندما يستطيع الطالب الوصول إلى المدرسة والاستفادة من الخدمة التعليمية بصورة منتظمة.
كما أن الشراكة مع القطاع الخاص في تشغيل المشروع تضيف بعداً اقتصادياً آخر، لأنها تفتح المجال أمام نموذج أكثر كفاءة في إدارة خدمة عامة واسعة، وتتيح للحكومة توجيه مواردها نحو النتيجة المطلوبة بدلاً من الاكتفاء بامتلاك وسائل النقل، ومع إدخال التتبع الإلكتروني والكاميرات والتطبيق الذكي الذي يمكّن الأهالي من متابعة حركة أبنائهم، يتطور المشروع من مجرد نقل مجاني إلى منظومة نقل مدرسية منظمة وآمنة وقابلة للقياس والتوسع، وهذه النقطة تحديداً مهمة في قراءة التجربة، لأن الحكومة لم تكتفِ بإطلاق المشروع، بل قيّمت مرحلته الأولى، ثم بنت على نتائجها قرار إضافة 3500 طالب جديد، وهو ما يعكس انتقال القرار الحكومي من الفكرة إلى التجربة، ومن التجربة إلى التقييم، ومن التقييم إلى التوسع.
واللافت أن مشروع النقل المدرسي المجاني يبدو مرشحاً لأن يتحول من تجربة بدأت في الجنوب إلى سياسة وطنية تمتد تدريجياً إلى محافظات ومناطق أخرى، فالحكومة أعلنت أن خطة التوسع ستشمل لاحقاً مناطق في وسط المملكة وشمالها، وصولاً إلى مناطق أوسع من المملكة، وإذا ما استمر المشروع بهذا النهج، فإن أثره الاقتصادي لن يتوقف عند توفير أجرة الطريق، بل سيصبح جزءاً من سياسة أوسع لتخفيف كلفة التعليم عن الأسر، وتحقيق عدالة أكبر في الوصول إلى المدارس، واستثمار الوقت، وتعزيز انتظام الطلبة، ودعم التنمية في الأطراف. وهنا تحديداً تكمن قيمة قرار جعفر حسان، أن الحافلة التي تختصر الطريق أمام الطالب اليوم، قد تختصر غداً مسافة أكبر بين التنمية والمواطن، وبين الإنفاق الحكومي والعائد الاقتصادي والاجتماعي الحقيقي.