اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
النسخة الكاملة

ياغي يكتب: ماذا جنى العرب من الحرب على إيران؟

الأحد-2026-09-20 11:34 am
جفرا نيوز -

مصطفى ياغي 

بعد أشهر من حرب أنهكت المنطقة ودفعت بتداعياتها إلى ما هو أبعد من ساحات القتال، لم يعد السؤال الأهم من أصاب أهدافًا أكثر أو من امتلك التفوق في جولة عسكرية هنا أو هناك، بل أصبح السؤال الذي يستحق أن يُطرح عربيًا: ماذا جنينا من الحرب على إيران، وإلى أين يقود الرئيس الأميركي دونالد ترامب المنطقة؟ فالواقع حتى الآن لا يشير إلى مكاسب استراتيجية عربية واضحة بقدر ما يكشف عن أثمان اقتصادية وأمنية دفعتها المنطقة؛ من اضطراب الطاقة والتجارة وارتفاع كلف الشحن والتأمين، إلى تراجع السياحة وحركة الطيران والاستثمار. والأخطر أن الحرب أثبتت أن آثارها لا تحتاج إلى اجتياز الحدود حتى تصل إلى كل دولة؛ إذ يكفي اضطراب ممر بحري أو إغلاق مجال جوي أو ارتفاع أسعار الطاقة حتى تنتقل الكلفة إلى المواطن والشركة والمستثمر والسائح، وما يحدث في هرمز وباب المندب يقدم الدليل الأكثر وضوحًا على ذلك.
فمضيق هرمز، الذي كان يمر عبره قبل اندلاع الحرب نحو خُمس استهلاك العالم من النفط، شهد اضطرابًا حادًا في حركة الملاحة، بالتزامن مع وصول الحوثيين إلى جزيرة ميون «بريم» الواقعة في قلب باب المندب، بعد تقدمهم على الساحل الغربي اليمني، ما يضع واحدًا من أهم شرايين التجارة العالمية أمام مزيد من المخاطر.

وتشير تقديرات حديثة إلى أن إغلاق باب المندب يمكن أن يؤثر في نحو 7% من النفط العالمي و12% من التجارة العالمية، ومع اجتماع الخطر في هرمز وباب المندب فإننا لا نتحدث عن أزمة بحرية عابرة، بل عن تهديد لمنظومة التجارة والطاقة وسلاسل الإمداد، يرفع كلف النقل والتأمين والسلع والمواد الأولية ويعيد الضغوط التضخمية إلى اقتصادات المنطقة والعالم.
وهنا تحديدًا يجب أن نسأل: ماذا جنى العرب من هذه الحرب؟ ربما لم يجنوا مكسبًا استراتيجيًا مباشرًا، لكنهم تلقوا درسًا لا يجوز تجاهله: الأمن الاقتصادي لم يعد منفصلًا عن الأمن الوطني، والدولة التي تعتمد على ممر واحد للتجارة أو مصدر واحد للطاقة أو سوق واحدة للسياحة ستبقى رهينة لأزمات لا تملك قرارها، فيما أصبح امتلاك البدائل ضرورة سيادية وليس رفاهية اقتصادية.
وهذا الدرس ينطبق على دول الخليج كما ينطبق على الأردن وبقية الاقتصادات العربية؛ فحتى الدول المنتجة للنفط لا تستطيع اعتبار ارتفاع الأسعار مكسبًا صافيًا إذا تعطلت الصادرات وارتفعت كلف التأمين والنقل وتضررت السياحة والاستثمارات والقطاعات غير النفطية.
وفي المقابل يطرح المشهد سؤالًا سياسيًا أكبر: ماذا يريد ترامب من هذه الحرب، وإلى أين يمكن أن يقود المنطقة؟ لا يمكن الجزم بما ستنتهي إليه حسابات الإدارة الأميركية، لكن مسار الأحداث يشير إلى سعي واشنطن لإضعاف القدرات العسكرية والاقتصادية الإيرانية وتقليص قدرتها على تهديد إسرائيل والمصالح الأميركية ودول الخليج والممرات البحرية، ودفع طهران في النهاية نحو ترتيبات جديدة تتجاوز وقف إطلاق النار إلى ملفات البرنامج النووي والصواريخ وأمن الملاحة والنفوذ الإقليمي.

لكن التفوق العسكري لا يصنع بالضرورة استقرارًا سياسيًا، وإضعاف إيران لا يعني تلقائيًا انتهاء قدرتها على التأثير، وما يجري في اليمن والبحر الأحمر يوضح كيف يمكن أن تنتقل المواجهة من ساحة إلى أخرى.

كما أن تقدم الحوثيين قرب باب المندب وضع واشنطن أمام معادلة أكثر تعقيدًا، ففي الوقت الذي طلبت فيه السعودية دعمًا عسكريًا أميركيًا لمواجهة الخطر الحوثي، أحجمت إدارة ترامب عن الانخراط المباشر واختارت تقديم دعم استخباري، ما يعكس صعوبة الموازنة بين احتواء الأزمة ومنع توسع الحرب. ولذلك فإن أحد أخطر السيناريوهات هو تحول المواجهة إلى حرب استنزاف طويلة تتغير فيها الجبهات والأدوات، من الصواريخ والطائرات إلى السفن والطاقة والممرات البحرية والاقتصاد.

وهنا يجب ألا يبقى العرب في موقع انتظار ما ستقرره واشنطن أو طهران؛ فكما أن للولايات المتحدة وإيران مصالحهما، يجب أن تكون للدول العربية رؤيتها لمصالحها وأمنها ومستقبلها، وأن يصبح السؤال ليس فقط إلى أين يقود ترامب المنطقة، بل إلى أين يريد العرب أن تذهب المنطقة بعد الحرب؟ وفي الأردن يصبح السؤال أكثر إلحاحًا.

فنحن لسنا طرفًا في الحرب، لكن اقتصادنا تأثر بتداعياتها، وفي مقدمتها السياحة، فيما قدرت مؤسسة «أكسفورد إيكونوميكس» أن أعداد الزوار الوافدين إلى الشرق الأوسط خلال عام 2026 قد تنخفض بين 11% في سيناريو انتهاء مبكر للصراع و27% في حال استمراره لفترة أطول. وهذا يعني أن الأردن لا يستطيع انتظار انتهاء الحرب ثم الاعتقاد أن السياحة ستعود تلقائيًا إلى ما كانت عليه، بل يجب تنويع الأسواق والمنتجات السياحية وتعزيز سياحة المؤتمرات والسياحة الدينية والثقافية والمغامرات، والتعامل بصورة أكثر جدية مع السياحة العلاجية من خلال منظومة دولية متكاملة تشمل الاعتماد والتأمين والعقود الخاصة بالمرضى الدوليين وبروتوكولات المسؤولية الطبية والنقل والإقامة والمتابعة بعد العلاج. وفي مقابل الخسارة السياحية كشفت الأزمة عن فرصة أردنية مهمة؛ فقد ارتفعت أحجام الترانزيت عبر محطة حاويات العقبة بنسبة 155.1% خلال النصف الأول من عام 2026 مقارنة بالفترة نفسها من عام 2025، مدفوعة بصورة رئيسية بإعادة توجيه بضائع متجهة إلى العراق نتيجة اضطراب الملاحة عبر هرمز.

وهذا الرقم لا ينبغي أن يمر كخبر اقتصادي عابر، لأنه يثبت أن موقع الأردن يمكن أن يتحول إلى قيمة اقتصادية عندما تتغير طرق التجارة، والسؤال هو: هل تنتهي هذه الفرصة بعودة الملاحة الطبيعية، أم نحول العقبة إلى خيار لوجستي إقليمي دائم؟ وهنا يبدأ الدور الحقيقي للحكومة، فالمطلوب ليس إدارة آثار الأزمة يومًا بيوم، وإنما بناء اقتصاد قادر على العمل في بيئة إقليمية مضطربة، عبر خطة وطنية للطوارئ الاقتصادية تحدد مسبقًا ماذا نفعل إذا طال اضطراب هرمز، أو تعطلت الملاحة في باب المندب، أو تعرض الممران للاضطراب معًا، وما البدائل لاستيراد الغذاء والدواء والطاقة والمواد الأولية، وما حجم المخزون الاستراتيجي المطلوب، وكيف نحمي الصناعة والمستهلك من اضطراب سلاسل التوريد وارتفاع كلف النقل. وفي العقبة يجب الانتقال من مفهوم الميناء إلى مفهوم المركز اللوجستي الإقليمي، من خلال تطوير التخزين والتوزيع وإعادة التصدير وسلاسل التبريد وتسريع التخليص الجمركي وتحسين الربط البري مع العراق والسعودية ودفع مشاريع النقل ذات الجدوى، لأن الموقع الجغرافي وحده لا يصنع مركزًا تجاريًا؛ بل تصنعه الكفاءة والسرعة والكلفة والاستقرار. وفي الوقت نفسه يجب تسريع تنويع مصادر الطاقة، وتعزيز المخزون الغذائي، وتنويع مصادر الاستيراد، وتشجيع الشركات على بناء سلاسل توريد بديلة، فهذه لم تعد ملفات اقتصادية منفصلة وإنما عناصر من منظومة الأمن الوطني. كما ينبغي للحكومة والقطاع الخاص الاستعداد منذ الآن لمرحلة ما بعد الحرب، لأن أي تسوية إقليمية ستفتح احتياجات وفرصًا في البنية التحتية والطاقة والنقل والإسكان والصحة والاتصالات وإعادة الإعمار، والأردن يمتلك شركات ومهندسين وأطباء وكفاءات قادرة على المنافسة، لكن الفرص لن تذهب بالضرورة إلى الأقرب جغرافيًا، بل إلى الأكثر استعدادًا وتمويلًا وقدرة على التنفيذ وبناء التحالفات. والأهم أن نخرج من هذه الحرب بفلسفة مختلفة: لا ننتظر إغلاق الطريق حتى نبحث عن البديل، ولا ارتفاع أسعار الطاقة حتى نتحدث عن أمن الطاقة، ولا تراجع السياحة حتى نبحث عن أسواق جديدة، ولا انتهاء الحرب حتى نخطط لما بعدها. فالعرب ربما لم يجنوا من الحرب على إيران مكسبًا سياسيًا أو اقتصاديًا واضحًا حتى الآن، لكنهم تلقوا إنذارًا استراتيجيًا لا يجوز إهداره: من لا يملك بدائل للطاقة والغذاء والتجارة والسياحة سيبقى رهينة لأي أزمة إقليمية. وبالنسبة للأردن، كشفت الحرب نقاط ضعف يجب علاجها، لكنها كشفت أيضًا قيمة موقعنا والعقبة وقدرتنا على أن نكون جزءًا من طرق التجارة الجديدة. ولذلك فإن السؤال الأردني اليوم ليس كيف نتحمل الأزمة حتى تنتهي، بل كيف نبني اقتصادًا يستطيع الصمود إذا تكررت، وكيف نحول موقع الأردن واستقراره وكفاءاته إلى عناصر قوة في المنطقة التي ستخرج من هذه الحرب. أما إلى أين يقود ترامب الشرق الأوسط، فالإجابة لم تتضح بعد، لكن المؤكد أن شكل المنطقة سيتأثر بنتائج الحرب وترتيبات ما بعدها، ومن هنا يجب ألا ينتظر العرب الآخرين ليرسموا وحدهم شكل المرحلة المقبلة، بل أن يحددوا مصالحهم وخياراتهم بأنفسهم؛ لأن من يملك البديل عندما يُغلق الطريق، هو من يملك القرار عندما يبدأ الآخرون بالبحث عن مخرج.

 

© جميع الحقوق محفوظة لوكالة جفرا نيوز 2024
تصميم و تطوير