جفرا نيوز -
نسيم عنيزات
يبدو أن الولايات المتحدة الأمريكية تتجه نحو إنهاء عملياتها العسكرية ضد إيران ووضع حد للحرب، ولكن من دون التوصل، إلى حلول تنهي جذور الصراع وحالة التوتر التي تعيشها المنطقة.
وعلى الرغم من التلويح الأمريكي بتوجيه ضربة عسكرية قوية وغير مسبوقة إلى إيران، وفقاً لتصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، فإن هذه التهديدات ليست الأولى من نوعها؛ فقد سبق لترامب أن أطلق تهديدات مماثلة ثم تراجع عنها، مبرراً ذلك بتدخل قادة دول المنطقة وطلبهم منه التريث.
وتشير التهديدات الأمريكية الأخيرة إلى أن الإدارة الأمريكية ترغب في إنهاء الحرب والخروج منها بأقل قدر ممكن من الخسائر السياسية، خصوصاً بعد أن عجزت عن تحقيقها للأهداف التي أعلنتها في بداية العمليات العسكرية. ولذلك تبدو واشنطن راغبة في وضع حد للحرب، لكنها في الوقت نفسه لا تريد أن تخرج منها من دون مكاسب، بل تسعى إلى تحميل دول المنطقة جزءا من الكلفة المالية والسياسية المترتبة على الحرب.
ومن هنا، فإن اللقاء المرتقب بين ترامب وقادة دول المنطقة، ولا سيما دول الخليج، يوم الثلاثاء المقبل على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، قد يكشف إلى حد كبير ملامح المرحلة المقبلة، وطبيعة الترتيبات الخاصة باليوم التالي لوقف الحرب.
وتسعى الإدارة الأمريكية، على ما يبدو، إلى وضع سيناريوهات المرحلة المقبلة، وإشراك دول المنطقة في خططها المستقبلية، إلى جانب مناقشة الكلفة المالية والاقتصادية المترتبة على أي تسوية محتملة.
ويبقى السؤال الأهم متعلقاً بشكل الاتفاق المحتمل والسيناريو الذي قد تذهب إليه الأطراف. ومن المرجح، وفق هذا التصور، ألا يتجاوز الاتفاق وقف العمليات العسكرية، وإعادة فتح مضيق هرمز، ورفع الحصار عن إيران، والسماح لها باستئناف تصدير النفط، دون حسم نهائي لمسألة مستقبل المضيق وآلية إدارته والسيطرة عليه.
وقد يبقى الوضع في المضيق قريباً من الواقع الحالي، مع استمرار النفوذ الإيراني في الجزء الشمالي، مقابل بقاء قوات أمريكية في المنطقة، وترك مساحة واسعة لدول المنطقة للتعامل مع إيران، ولا سيما في ما يتعلق بحركة تصدير النفط والغاز وأمن الملاحة.
ويأتي ذلك خصوصاً بعد تراجع ترامب عن مذكرة التفاهم، وهو تراجع قد يصعب معه العودة إليها، لأن المعضلة الرئيسية في هذه المذكرة ترتبط بالإفراج عن جزء من الأموال الإيرانية المجمدة. فترامب طالما انتقد الاتفاق الذي أبرمته إدارة الرئيس باراك أوباما، والذي تضمن الإفراج عن جزء من الأموال الإيرانية، الأمر الذي قد يجعل عودته إلى صيغة مشابهة أمراً بالغ الصعوبة سياسياً.
ومن هنا، فإن السيناريو المطروح قد لا يتجاوز التوصل إلى تفاهم بشأن مضيق هرمز، والسماح بعودة حركة الشحن والملاحة عبره، بالتزامن مع محاولات للحصول على مكاسب مالية لتغطية جانب من كلفة الحرب، أو إيجاد مخرج سياسي يمكن للإدارة الأمريكية تقديمه إلى الناخب الأمريكي باعتباره نتيجة مقبولة للحرب.
اما باب المندب وتعقيدات المشهد الإقليمي فان الأمور تتجه إلى مزيد من التعقيد، في ظل سعي الحوثيين إلى تعزيز نفوذهم والسيطرة على المنطقة، الأمر الذي قد يزيد الضغوط على الدول المصدرة للنفط، ويضاعف من مخاطر النقل البحري وسلاسل الإمداد.
وقد ترى الإدارة الأمريكية أن استمرار هذه الضغوط قد يمنح واشنطن ورقة إضافية في أي مفاوضات تتعلق بالمرحلة المقبلة وترتيبات الأمن الإقليمي.
لقد أدت الحرب إلى إشعال أزمات متشابكة في المنطقة، وأثارت تساؤلات حول قدرة الولايات المتحدة على حماية حلفائها وتأمين مصالحهم، كما انعكست تداعياتها على الاقتصاد العالمي وأسواق النفط، وأدت إلى اضطرابات في حركة الإمدادات وارتفاع مستويات المخاطر المرتبطة بأمن الطاقة.
كما ساهمت التطورات العسكرية في اليمن في تعقيد المشهد الإقليمي، في ظل استمرار المواجهة بين الحكومة اليمنية والحوثيين، والهجمات التي طالت المملكة العربية السعودية وناقلات النفط وحركة الملاحة في المنطقة.
وقف الحرب لا يعني عودة المنطقة إلى ما قبلها.
نعم، قد تتوقف العمليات القتالية، وقد يُعاد فتح مضيق هرمز أمام حركة الملاحة، لكن المنطقة لن تعود بالضرورة إلى ما كانت عليه قبل اندلاع الحرب في 28 شباط/ فبراير الماضي.
فالحرب أحدثت واقعاً جديداً، وأعادت ترتيب الحسابات الأمنية والسياسية والاقتصادية لدول المنطقة، كما أضعفت مستوى الثقة بين العديد من الأطراف، ودفعت دول الخليج إلى إعادة النظر في طبيعة علاقاتها الأمنية والسياسية مع القوى الكبرى.
ومن هنا، فإن المرحلة المقبلة تتطلب تفاهمات خليجية ـ إيرانية واضحة بشأن «اليوم التالي» للحرب، وكيفية إدارة العلاقات بين الجانبين مستقبلاً. وينبغي أن تقوم هذه العلاقات على احترام السيادة والمصالح المتبادلة، وحماية الأمن الإقليمي، وإعادة بناء جسور الثقة بين مختلف الأطراف.
فالمنطقة، بعد هذه الحرب، لن تكون كما كانت قبلها، وأي وقف للعمليات العسكرية لن يكون كافياً وحده لإنهاء حالة التوتر ما لم يترافق مع ترتيبات سياسية وأمنية واقتصادية جديدة.