جفرا نيوز -
محمد علي الزعبي
قد يعتقد البعض أنني «سحيج» لأنني أكتب بإيجابية عن حكومة الدكتور جعفر حسان، وقد يختار آخرون أن يضعوا هذه التهمة الجاهزة على كل من يرفض الانجرار إلى موجة المزايدة، لكنني ببساطة لا أكتب لأُرضي جمهوراً، ولا أبحث عن تصفيق، ولا أستمد قناعاتي من مزاج الشارع؛ أكتب لأنني أراقب، وأقرأ، وأقارن، ثم أقول ما أراه كما أراه، فالكاتب الذي يخشى أن يُساء فهمه، ينتهي به الأمر إلى أن يكتب بما يرضي الآخرين لا بما يمليه عليه ضميره المهني.
وأنا حين أكتب بإيجابية عن الحكومة، لا أفعل ذلك لأنني أرى أن الحكومة فوق النقد، ولا لأنني أعتقد أن كل قرار اتخذته كان مثالياً، وإنما لأن الإنصاف يقتضي أن يُقال للمحسن أحسنت كما يُقال للمخطئ أخطأت، وما أراه في هذه التجربة الحكومية، بعيداً عن الضجيج السياسي والانطباعات السريعة، هو محاولة واضحة لإعادة الاعتبار إلى منطق التنفيذ؛ فالدولة لا تُدار بالخطابات، ولا تُقاس بكثرة البيانات، وإنما تُقاس بما يتحول من خطط إلى مشاريع، ومن قرارات إلى واقع، ومن مخصصات مالية إلى أثر ملموس في حياة الناس.
وما يستوقفني أكثر أن الملفات الحكومية لا يمكن قراءتها بمعزل عن بعضها؛ فالطريق الذي يُنجز ليس مجرد إسفلت، والمدرسة التي تُبنى ليست مجرد جدران، والمستشفى الذي يُحدّث ليس مجرد أجهزة، والاستثمار الذي يستقطب ليس مجرد رقم في بيان؛ إنها حلقات في منظومة تنموية واحدة، وعندما تتقدم البنية التحتية، وتتوسع الخدمات، وتتحرك المشاريع في المحافظات، وتُفتح مساحات للاستثمار والعمل، فإننا أمام محاولة لإعادة صياغة العلاقة بين الدولة والتنمية على أساس أن المواطن في المحافظات ليس هامشاً في المشهد، بل شريك أصيل في عوائد التنمية.
وأقولها بوضوح،، ليس معنى الإشادة أن نمنح الحكومة صك براءة، وليس معنى النقد أن ننسف كل ما تحقق، فما زالت هناك ملفات تحتاج إلى تسريع، وأخرى تحتاج إلى قرارات أكثر جرأة، وثمة تحديات اقتصادية واجتماعية لا يمكن اختزالها أو تجميلها، لكنني أرفض تلك المعادلة السطحية التي تجعل من الخطأ دليلاً على فشل التجربة، ومن الإنجاز سبباً للاتهام، هناك فرق بين حكومة تعمل وتُحاسب على ما تعمل، وحكومة لا تملك في رصيدها سوى الكلام؛ وبين الاثنين مساحة واسعة اسمها العمل العام، وهو بطبيعته اجتهاد بشري قابل للإصابة والخطأ والتصويب.
المشكلة الحقيقية، في رأيي، ليست في أن نختلف حول أداء حكومة، وإنما في أن يتحول الاختلاف إلى إلغاء للحقائق،، أن يصبح الاعتراف بمشروع منجز أو قرار ناجح تهمة، وأن يصبح انتقاد الحكومة بطولة بحد ذاته، بهذه العقلية نخسر القدرة على قراءة الدولة قراءة موضوعية، لأن الدولة لا تُبنى بالتصفيق، لكنها أيضاً لا تُبنى بتكسير كل ما يُنجز، الدول تُبنى بالتراكم؛ إنجاز فوق إنجاز، وتصويب بعد تصويب، وتجربة تُراكم فوق تجربة، حتى تتشكل في النهاية صورة وطن يتقدم ولو بخطوات متفاوتة.
أنا لا أكتب دفاعاً عن حكومة، ولا أبحث عن موقع في صفوف المصفقين، ولا أمارس خصومة مع أحد، أنا أكتب من موقعي ككاتب يرى أن استقلالية الرأي لا تعني أن تكون سلبياً، كما أن الوطنية لا تعني أن تكون مصفقاً، الاستقلالية أن تقول ما تؤمن به، والموضوعية أن تضع الوقائع أمام القارئ، والوطنية أن تنتصر للدولة ومؤسساتها قبل الأشخاص، وأن تعرف متى تنتقد، ومتى تنصف، ومتى تقول إن هناك عملاً يستحق أن يُرى ويُذكر.
هذه رؤيتي، قد يتفق معها البعض وقد يختلف معها آخرون، وهذا حق أصيل للجميع، أما أنا فسأبقى أكتب بعقل الكاتب لا بعاطفة الجمهور؛ لا أبحث عن التصفيق، ولا أخشى الاتهام، ولا أبيع قناعتي لإرضاء أحد، فمن حق كل قارئ أن يرى المشهد من زاويته، ومن حقي أن أقول ما أراه من زاويتي... ولكم ما تعتقدون... ولي ما أعتقد.