جفرا نيوز -
بقلم فراس الور
)تنويه وإخلاء مسؤولية قانونية: جميع أحداث وشخصيات هذه الرواية، بكافة أجزائها وفصولها، هي من وحي خيال كاتبها المحض؛ وأي تشابه أو تطابق بينها وبين أحداث أو شخصيات أو أسماء حقيقية في الواقع هو نتاج الصدفة البحتة وغير مقصود كلياً. يُحظر حظراً تاماً ومطلقاً إعادة استخدام، أو نسخ، أو اقتباس، أو تداول، أو ترجمة، أو إعادة إنتاج، أو تحوير أي جزء من هذه الرواية، أو أي من شخصياتها وأحداثها، سواء لأغراض تجارية، أو غير تجارية، أو درامية، أو سينمائية، وبأية وسيلة أو صيغة كانت؛ إلكترونية، أو رقمية، أو حاسوبية، أو ورقية، أو صوتية، أو مرئية، أو عبر منصات التواصل الاجتماعي والمواقع الإلكترونية، دون الحصول على إذن خطي ومسبق من الكاتب شخصياً، وذلك بموجب قانون حماية حق المؤلف الأردني النافذ والاتفاقيات الدولية ذات الصلة. أي محاولة لانتهاك هذه الحقوق دون موافقة الكاتب الخطية والمسبقة، ستعرض فاعلها للملاحقة القضائية الصارمة؛ حيث يحتفظ الكاتب بكامل حقوقه القانونية، والمدنية، والجزائية في رفع الدعاوى، والمطالبة بالتعويضات العادلة أمام المحاكم النظامية الأردنية أو أي جهة قضائية مختصة في أي مكان في العالم يثبت فيه حدوث هذا الانتهاك أو التعدي؛ ولذا اقـتـضى الـتـنـويـه.)
خريف عام 2025 :
أخذ لؤي العازم علبة دخان المارلبورو من على الطاولة الصغيرة أمامه وأخذ منها سيجارة، أشعلها بولاعة كانت قريبة منه وأخذ رشفة عميقة منها، نفخ الدخان أمامه فامتزج مع بخار البرد الذي خرج من فمه وصنع سحابة ضباب خفيفة اختفت سريعاً مع نسمات الخريف الباردة، فالخريف حل بأجوائه الرطبة والماطرة أخيراً، كان جالساً على ترس منزله الذي كان بضاحية النخيل يحاول الاستيقاظ من سبات ليل عميق بطريقته المفضلة، رشفات من القهوة و الجلوس على تِرَسْ منزله ليستمتع بالطبيعة من حوله و هي تستيقظ معه على شعاع الشمس الدافئة، و لكن هذه المرة كانت الشمس تختبئ خلف سحب رطبة قررت زيارة السماء من جديد بعد غياب دام اشهر جافة طويلة، بالرغم من تبدل الأجواء سريعا بين الأمس و اليوم الا انه شعر كم كان برد الأجواء من حوله يغسل خمول سلطان النوم عن بدنه بنجاح، سكب من مِغْلايَةْ القهوة في الفنجان أمامه القهوة اللذيذة إلى أن امتلأ وأخذ رشفة أنعشت بدنه، ما أجمل رائحتها، شعر أن سوادها المنعش أنعش كل حواسه بعنفوان رائع، فجأة سمع طقطقتها على زجاج سيارته التي كانت مصطفة بمدخل منزله أمامه، ابتدأت كطقطقات ناعمة ظن أنها لأحدى السيدات و هي تسير بكعبها العالي بالشارع بالقرب من منزله، فالتفت يمنةً ويساراً ولكنه لم يرى أحداً، ثم تنبه أنها قطرات الغيث النازلة من السماء بحنو على الأرض من حوله وعلى سيارته، ابتسم لها ووقعها يزداد قوة، ابتسم وحفيف الشجر مع نسائم الصباح من حوله يندمج مع طقطقتها الناعمة فشعر وكأنه يسمع سيمفونية جميلة من تأليف طبيعة الصباح الربانية، أخذ رشفة من سيجارته وتبعها برشفة من فنجان قهوته التركية وأغمض عينيه ليستمتع بما تهبه له الطبيعة من جمال لم تسمح له وظيفته الشاقة بالأمن العام الأردني أن يستمتع بها من قبل كثيرا، انتفض بدنه قليلاً مع نسمات البرد فارتدى سترة كانت بالقرب منه وأكمل روقانه الصباحي الممتع مع سكون داخلي اشتهاه لسنين طويلة ولكن لم يكن بمتناول يديه، كان يعلم أن التقاعد أمر حتمي له كعميد بالأمن العام بعد خدمة مشرفة ساهم بها بصورة جذرية بأمن بلاده والقبض على نخبة من أشرس الخارجين عن القانون الذين كانوا يلوثون المجتمع من حولهم، لولا عنفوانه هو وزملائه بهذا الجهاز المُشَرِفْ في الدولة لكانت الجريمة ضايقت الكثير من المواطنين بالشارع الأردني، وشعر بالراحة بعد مشوار التعب هذا وهو يستمتع بهدوء بيته الفاخر بضاحية النخيل فكان بمقدوره الآن فعل أشياء كثيرة لم تدعه وظيفته ليفعلها.
وضع بمخططاته أموراً كثيرة، كالسفر إلى بعض البلاد العربية وزيارة أصدقاء له في مصر و الكويت والسعودية، وشعر بالرغبة بالسفر إلى أوروبا لمشاهدة الآثار السياحية بها، فأحب فكرة الترحال لبعض الوقت حيث وجدها جذابة وتروق له بما تحمل من سِحْر اكتشاف حضارات قديمة وثقافات الغير، فكان كإنسان ذو ثقافة دسمة ويعشق قراءة الكتب، ورأى تلك الآثار الجميلة كثيراً على السوشيال ميديا والإنترنت وبالكتب الإلكترونية، ولكن زيارتها شخصياً والوقوف بين أروقتها توقع أن له سحراً خاصاً لا يمكن تعويضه أبداً، كم شعر بضرورة تجديد شبابه الذي هَرِمَ وهو يحقق بملفات الجرائم ويلقي بذكائه الثاقب القبض على المجرمين، فمن تجار المخدرات إلى اللصوص إلى القتلة حمل أرشيفه كضابط رفيع المستوى بالأمن العام الإنجازات الدسمة، كما اكتظ صدر زيه الأمني بالأوسمة المُذْهَبَة من مدرائه، حيث كانت تعكس كم كان لامعاً ومتفانياً بعمله، ولكن حان الوقت لاستراحة محارب، ليأخذ قسطاً من الراحة قبل أن تأتيه الموافقة من أمانة عمان على مشروعه الجديد المقبل.
خبرته بالحياة علمته أن التقاعد يحتاج إلى ساحة عمل خفيفة لطيفة ليمنع الكسل من الدخول لحياته، فكم مرة ومرة شاهد مسلسلات التحقيقات الجنائية على الفضائيات ومنصات الأفلام وسأل ذاته، هل يمكن أن تكون محطته ما بعد التقاعد؟ هل قد ينجح مشروع خاص بهذا القدر معه؟ بالنسبة إليه التقاعد يعني المكوث بالمنزل، والمكوث بالمنزل يعني أن يبدأ الملل واليأس بالدخول لحياته، وهذا ما لا يمكن أن يسمح بالحصول معه، فتعلم من الخدمة العسكرية والأمنية أن الإرادة هي سيدة الموقف بالكثير من الأمور، فلما لا؟ هل جَرًبَ أحدهم هذا المشروع مسبقاً؟ وخصوصاً أنه ضابط متقاعد من الأمن العام عنده خبرته الطويلة، فلن يكون متدرباً أو هاوياً يستقبل قضايا الناس، فسيعلم متى سيوجه الناس للذهاب فوراً إلى الأمن العام ومتى سيستلم القضية هو ليحقق بها، فيستطيع التحقيق بقضايا خفيفة مثل سرقات بمنازل أو شركات، أو ربما اختلاسات بأوراق مالية بشركات، وحتى تهكيرات وتهديد خصوصية الآخرين، فكان يعرف مكاتب مدققي حسابات لأصدقاء له قد يستطيع استشارتهم بأمور كثيرة، وحتى لقضايا التهكيرات على الموبايلات أو الحواسيب، فلدى صديقه إحسان عنتر مكتب برمجيات وبيع حواسيب، ولديه كادر فني قد يساعده بشتى القضايا، بكل تأكيد ستكون تجربة جديدة عليه، ولكن لديه الكفاءة الكاملة للخوض بغمارها ولسبر عمقها وإلى أي مدى سيكون ناجحاً بها، ولكن بكل الظروف لن يجلس بالمنزل ليفتح تجارة ما ليس لديه خبرة بها، أو ليقضي ساعاته كَجَبْرِةْ خاطر بعمل ليس لديه خبرة به، بل سيكمل ما تَعَوًدَ فعله، وهو الإمساك بالمجرمين، وسيكمل مشواره كأسطورة بالبحث بالقضايا الإجرامية... فأسطورة صياد الظلال لن تموت... بل ستبقى حية إلى أن يموت هو.
أخذ رشفة أخرى من سيجارته مع رشفة من فنجان قهوته، ونفخ بالهواء فطافت فوق رأسه سحابة دخان مع بعض البخار الخارج من فمه، تنبه إلى أن طقطقة المطر حوله على التِرَسْ ازدادت أكثر من قبل، فالمنخفض الذي تحدثت عنه دائرة الأرصاد الجوية قد ابتدأ يلقي بسطوته على سماء البلاد وأجوائها، ارتفع بالأجواء حفيف للشجر الجميل مع صوت المطر المنهمر من السماء مرة ثانية، وتوالت الذكريات للقضايا التي تلقى عليها أوسمة للشجاعة والبطولة في القبض على مجرميها. كانت أكبرها و أكثرها تعقيدا جريمة سفاح جامعة روابي زي الأهلية، حيث ابتدأ ملف هذه القضية حينما وجد الامن العام جثة إمرأة اجنبية ملقاة بأرض مفتوحة على بعد كيلومتر من الجامعة، و بعد الكشف على الموقع الذي وُجِدَتْ به الجثة و مع ما ورد من الطب الشرعي لأسباب الوفاة تبين انها ماتت خنقا و كان هنالك اثار على جسدها لعنف شديد، و كشف التقرير انها تعرضت لإغتصاب و خنق مما ادى الى وفاتها، فمع تحريات الشرطة و ملفها في الدوائر الأمنية تبين انها تجدد تصريح عملها بصورة دورية بالجهات الرسمية بالدولة و بانها عاملة نظافة تعمل بالجامعة منذ بضعة سنين، لم تتنبه الشرطة في بادئ الامر ان الجاني كان رجل يعاني من اختلال نفسي و قد أبتدا بفورة هيجان لقتل الإيناث، فظنت ان الجاني من دائرة معارفها، و ابتدات بسلسلة تحريات قوية مع من تشاطرها السكن لمعرفة سلسلة معارفها و مع من كانت تخرج و مع من كانت تقضي اوقاتها، و لكن بعد حوالي اسبوع ورد بلاغ آخر الى دوائر الأمن العام عن وجود جثة لشابة بنفس المكان الذي توفيت به العاملة الوافدة، و تبين ان الجثة لطالبة بالجامعة بالواحدة و العشرين من العمر تدرس الصيدلة، و بعد التحريات الجنائية حولها تبين تكرار علامات عنف على جسدها و اغتصاب و بأنها ماتت خنقا، ابتدأت انظار الشرطة بالإتجاه الى طلاب الجامعة حيث شَكًتْ ان الجاني قد يكون من كادر التدريس او طالب بها، و زرعت الشرطة بين الطلبة بصورة سرية عدد من العميلات لمحاولة التغلل بالجسد الطلابي و معرفة ما يدور بأروقة هذه الجامعة، كانت الشرطة تسابق الزمن لمنع جريمة ثالثة حرصا على السلم المجتمعي و لمنع جريمة ثالثة، فالجاني كان حذر بعدم ترك اية ادلة بموقع القاء الجثث تدل عليه، كان بكلا الحالتين مر على الجثث 12 ساعة، و الجريمتان حصلتا يوم خميس مساءا، و الضحيتان من نفس الجامعة، و كان تحت اظافر يدي الضحيتين جِلْد و دماء بما يعني مقاومتهن للجاني، فجأة تنبه لؤي لأمر هام حينما كان يسمع عن القضية من زملائه بالأمن العام، و طلب ملف القضية، فمن حسه و حدسه المهني تعود ان يأخذ بعين الإعتبار كافة الإحتمالات ليشك بها و ليتحرً عنها، فطلب موبايلات الضحايا و البيانات التي صدرت عنها، فاكتشف انهن يتعاملن مع نفس التطبيق لسيارات الأجرة، و استفسر من الشركة عن اية طلبات كانت قد سُجِلَتْ لجامعة روابي زي الأهلية بأيام الخميس التي حصلت بها تلك الجرائم و بأوقات المساء بين الرابعة و الخامسة، فاوردت له شركة التطبيقات ان هنالك عشرة طلبات عن طريق هذا التطبيق سجلتها برامج تطبيقات الشركة لركاب من تلك الجامعة بكلا الخميسين، و تحقق من هويات السائقين، و طلب تلك السيارات فورا للتحقيق مع سائقيها و لتفتيشها بسرية تامة، و مع استجوابه للسائقين اكشتفت فرق البحث الجنائي اظفراً نسائياً طويلاً بأحد زوايا صندوق سيارة تعود لسائق بإسم محمود الرَيٍسْ، مما دفعها لسكب اللويمنول في صندوق سيارته للبحث عن بقايا دماء، و تبين بالفعل وجود بقايا دماء بشرية على مساحة ارضية الصندوق،
تواجه لؤي معه بالمكتشفات فأنكر محمود في بادئ الأمر، و قال انها بقايا لذبيحة خروف قام بشرائها بعيد الأضحى الذي صادف منذ بضعة اسابيع، و لكن حينما قال لؤى له أنهم وجدوا ظفر نسائي بصندوق السيارة انهار و اعترف بجرائمه، و شرح للأمن العام كيف كان ينتقي الضحايا و يلتقطهم حينما كانت تطلب تاكسي من التطبيق، و كيف كان يستغل الأماكن المقطوعة حينما يمر بها ليأخذهم اليها و يغلق ابواب السيارة عليهم و يفعل فعلته، ثم كان يضعهن بأكياس نفايات كبيرة سوداء و يلقيهن بمناطق قريبة من الجامعة،
شعر لؤي بالحزن لأسر الضحايا التي قتلها هذا المعتوه النفسي، و لكن شكر الله لأنه تمكن من ايقافه عن ارتكاب المزيد من الجرائم، و حينما سألوه زملائه رغم خبرتهم لماذا شك بأنه من خارج الجامعة، و لماذا استبعد ان الجاني من قلب الجامعة، قال بكل بساطة ان الجامعة و شوارع الأردن في هذه الايام تغص بكاميرات المراقبة، فلذلك يستحل ان ينفذ الجاني جريمته بالحرم الجامعي، فسيحتاج الى ملاذ آمن لينفذ جريمته بعيدا عن اعين الناس و الشوارع التي اصبحت مراقبة بالكاميرات، فتوجه حدسه لسيارة كمحقق و الأماكن المظلمة، فهي الملاذ الآمِنْ لتنفيذ الجريمة، ثم أنه لو كان الجاني دكتور او طالب لاختار مكان بعيدا جدا عن محيط الجامعة لإلقاء الجثث ليبعد الشبهة عنه، و ليبعد انظار الشرطة عن الجامعة و مجتمعها لكي لا يُكْتَشَفْ امره، و ثالث امر هو ان الضحايا لا تجمع بينهن قواسم مشتركة اطلاقا، فالأولى عاملة نظافة و الثانية طالبة صيدلة، فلو كان الجاني طالب لكان اختار طالبات من دائرته الإجتماعية و لم يكن اختياره عشوائي، مما جعله ينظر الى خارج اسوار الجامعة،
منذ تلك الجريمة، في عام 2010 و لفت انتباه مرؤسيه بالشرطة ان خبرته بالتعامل مع عالم الإجرام صقلت حدسه الى حدس مارد بالتحقيقات الجنائية، فامتزجت خبرته بذكائه لتصنع منه رجل امن من الطراز الرفيع، و اطلق العديد من زملائه لقب صائد الظلال ليغدو لؤي مميز جدا، و اصبح بتوجيهات من مرؤسيه مسؤل على قسم الملفات الباردة، و هي الملفات التي اغلقت و تم تقيدها ضد مجهول...او بالأحرى برد حماس الشرطة بها للأمساك بالجاني نظرا لضعف الأدله بها او لحنكة المجرم بإخفاء اية ادلة وراءه قد تقود الشرطة اليه،
اسيقظ من سرحانه و من ذكريات عنفوان شبابه بالشرطة على صوت جرس الباب، اخذ آخر رشفة من فنجان القهوة و أطفأ سيجارته بالمرمدة امامه، وقف و نظر الى ساعته، كانت التاسعة صباحا بالضبط، ابتسم و سار نحو باب شقة الدوبلكس التي كان يسكن بها، اجتاز الصالة الفسيحة الفاخرة التي توسطت طابقها الأرضي و نظر من العين السحرية للباب، كان احسان عنتر صديقه المخلص و الحميم، فتح الباب مُرَحِباً "اهلا احسان، بالضبط كعاتدك على الموعد بدقة لا متناهية،"
قَبًلَهُ احسان على خديه قائلا "انا اعلم ان مواعيد الألوية بالشرطة منضبطة، فلذلك قصدت ان لا اكسر البروتوكول معك،"
اجاب لؤي و هو يؤشر بيده الى الإحسان بالدخول "مجند استعد!"
وقف احسان مكانه تلبية لأوامر لؤي، اكمل لؤي "الى الأمام مارش..."
تحرك احسان مبتسما و لؤي يقول له "يسار يمين يسار يمين...مجند قف!"
قال احسان بصوت عالٍ و هو يقف عند الكنب "المجند احسان عنتر جاهز لكي ينهزم بلعبة الطاولة!"
ضحك الرجلان و هما يجلسان فقال احسان "لواء يا سيدي...جنرال من سيكسر لك امر،"
"جبر الله بخاطرك، النهاية آزفة، تقعادنا يا سيدي،"
أكمل احسان مبتسماً "انت تتقاعد؟ التقاعد سيخاف منك،"
"اجبر بخاطري، و لكن لا بأس، فللأمر حلول كثيرة،"
اجاب احسان "مثل غُلْبي مَعَك، غُلْبي معك غَلْبَان...إما بالطاولة، او إما بوضعك النفسي، يا صديقي المعركة في ذهنك، كيف تنظر الى التقاعد،"
"هل لاتزال قهوتك وسط،"
أجاب احسان مستهزءا "اول علامات التقاعد الزهايمر..."
نظر لؤي الى صديقه بعين صارمة و قال "ازهايمر ماذا، اخطأت حينما اعتقدت انك الصديق الحنون الذي سأفضفض له،"
قال بنبرة مزاح "انا صديق عمرك و نسيت قهوتي؟"
اجاب بنبرة معاتبة كوميدية "اسأل من باب الإتيكيت با جاهل!"
"نعم يا صدقي لاتزال وسط،"
أجاب بينما توجه الى التِرَسْ ليجلب مِغْلايَةْ القهوة "سأصنعها، خمسة دقائق من فضلك،"
توجه لؤي الى الترس و جلب من الطاولة فنجان القهوة و المِغْلايَة، دخلت نسائم الهواء الرطبة و النشطة الى الصالة حينما فتح الباب فاهتزت الستائر التي كانت تحيط بمدخل الترس، اغلق لؤي الباب وراءه فهدئت تيارات الهواء الباردة،
قال احسان "الا تزال من دون صانعة يا باشا،"
"انت تعلم لا اطيقهم، لا اطيق وجودهم،"
"طيب تزوج...لما لا؟"
اجاب لؤي بقليل من المرارة "كم مرة و مرة سيدخل الحب الى قلبي يا صديقي،"
اجاب احسان ببعض السخرية "قد نسيتك يا صديقي، صدقني، ربما تزوجت و اصبح لديها اولاد و انت لا زلت وافقا عند هذه الذكريات تندب حظك،"
قال لؤي من المطبخ الذي كان قريب على الصالة "هذه مشكلتي انا، فما سيهمك ان بقيت اعزب و قلبي مغلق على قصة حب جديدة،"
اجاب احسان "احزن عليك يا صديقي، فالكل رأى اين مصلحته و انت لازلت تقف عند المثاليات،" اكمل بسخرية بعض الشيئ "و مضت عشرة اعوام لم يرى بها رومية حبيبته جوليت،"
اجاب لؤي من المطبخ "لي انا هذا الكلام يا احسان؟" صدرت من المطبخ طقطقت بسيطة و لؤي يضع مِغْلايَة القهوة و الفناجين على صينية و عاد الى الصالة قائلا "اولا يا جاهل رومية و جوليت لم يفترقا عشرة اعوام، توفيا مع بعض و بنفس اللحظات، ثانيا انت تعايرني بحبي القديم لراوية...انسيت ريهام التي تجاهلتك لسنتين ايام الجامعة و انت تجري وراءها كالطفل التائه...كنت مهوس ريهام،"
اجاب معاتبا "انا مهوس ريهام؟...أنا؟"
أكمل لؤي و علامات الإنتصار على وجهه "لم يكن على لسانك شيئ الا ريهام...أأذكرك، ادرس بقسم الحاسوب و جبيبي بكلية الأداب و لكي انال كل الرضى يوميا ازورها مرتين... يا تَبَعْ ريهام! سامية ستتلقى اتصال مني اليوم،"
سحب كرسي مقابل طاولة بينه و بين احسان و احسان يجيبه مذعورا "كله الا سامية، انا صديقك يا لؤي، من دون سامية!"
اجاب و علامات الإنتصار تشع من وجهه "سامية ستتلقى اتصال مني، الذي يريد ان يفضفض لك سيخرج من عندك خاطره مكسور، صف حجارة الزهر،"
اكمل احسان مترجياً "لأجل الصداقة و العيش و الملح بيننا، من دون سامية!!! فضفض كما تشاء...انا فرويد يا سيدي...بل انا جورج قرداحي ببرنامج قالمسامح كريم!!! فضفض على ذوقك يا سيدي،"
ارتفع بالصالة طقطقت الحجارة و لؤي و احسان يَصفٌونْ الطاولة، "ماشي اقبل الهدنة،"
اكمل احسان بروقان اكثر و دبلوماسية اكثر "انا فقط قلبي عليك، تحتاج الى ونيسة تساندك بحياتك و تسليك،"
اجاب لؤي ضاحكاً "أَصَدًقتْ انني سأتصل بسامية، هل تظن رقمها عندي، لا اكلمها الا من خلال هاتفك،"
فجأة نظر احسان بصدمة الى لؤي و قال "جنرال و تعلم كيف تكسب جولاتك و حروبك، ماشي يا سيدي،"
"هل تظنني سأخون العيش و الملح بيننا و اقول لسامية عن رسائلك الملتهبة لريهام،"
"اتذلني يا باشا، ماشي ذلني، و لا تعرف سامية شيئا،"
ضحك لؤي ضحكة قوية "الحب يَذِلْ، انت تمسكت بسامية فَذُقْ ما يجلبه الحب لك، انا لازلت حراً طليقاً،"
اكمل احسان بنبرة دبلوماسية "انا اريد ان اراك سعيداً يا لؤي، هذا كل شيئ،"
اجاب معبراً عما في داخله "قلبي ليس مفتوح على حب جديد، هذا الأمر ليس بيدي،"
"انت تعودت على الوحده يا صديقي، هذا كل شيئ،"
ارتفع صوت الزهر و تصفيط الحجارة بينما اكمل لؤي بصوت هادئ "الوحدة، ربما، اصبحت هي خطيبتي،"
ارتسمت ملامح المعرفة فجأة على وجه إحسان ثم قال "لما لا تفتح لك مصلحة، انت باشا و لك نفوذك، افتح لك تجارة...ربما، مطعم، او ربما متجر مواد تموينية شامل او تجارة ما،"
اجاب لؤي بثقة "لا تخف علي، افكر بسفرة سياحية الى اوروبا لأسبوعين ثم حين عودتي سيكون ترخيص مكتبي الجديد قد انتهى، قمت ببعض الإتصالات لأنه فكرة جديدة بالبلد، و لذلك ترخيصه بأمانة عمان و بالأمن سيطول كثيرا، و لكنه بإذن الله قادم لا محالة،"
اطلق احسان صفيراً و قال"يا للعجب، انت ستسافر لأسبوعين ريثما تأتيك الموافقة الأمنية و من أمانة عمان على مشروع؟! ما هو هذا المشروع الذي يتطلب كل هذا التدقيق من الدولة؟"
"يا صديقي ستعرف بالوقت المناسب، لا زلت تحت السن القانوني لهذه الأشياء..."
اجاب احسان مترجيا "باشا، اتخفي على صديق عمرك، انت قلت للتو ان معرفتنا ببعض منذ ايام الجامعة الأردنية، ثلاثون سنة صداقة و تخفي عني ما هو مشروعك القادم، قتلتني يا هذا،"
ضحك لؤي قائلا "جرحتك في الصميم حينما قلت انك تحت السن القانوني...ماشي،"
"هذا تنمر!!!! هذا تنمر!!! لأنك جنرال متقاعد!!! ارحم!!! ما انت ليس لديك ولايه!!!"
يضحكان الصديقان ضحكاً عاليا، ثم يقول له لؤي "انت اول من سيعرف عن المشروع، اعدك، لأنه فكرة جديدة لازلت أُقَلِبْ الموضوع في بالي،"
"لنفكر معا، عقلان يفكران و لا عقل واحد،"
"حسناً حينما ساعود من المطبخ سندردش قليلا، انت جزأً منه،"
"كيف، اخبرني،"
يذهب لؤي الى المطبخ و يعود بأوقيتات من الكنافة، فيقول احسان "اه و على الصباح، هذه طاقة مذهلة لي، سأحتاجها قبل ان اذهب الى نادي اللياقة،"
"ممتاز، اعطاك الله الصحة يا صديقي، لكني اعلم مسبقا كيف تمارس الرياضة، انت تمسك كيس الملاكمة لسامية و هي تتضربه لتتمرن على الكيك بوكسنغ،"
"فشرت، انا عنتر في علاقتنا،"
اجابه لؤي و غنى له "برات البيت عاملي عنتر، و بتتمشى و بتتمخطر، و لما بتيجي عالبيت، بتقلي دخلك جسمي مكسر!"
"كفاك تنمر عَلَى صديق عمرك، اذا احببت بطلة كيك بوكسنغ، ما الخطئ بهذا! انا احبها!"
"بالعكس يا صديقي، الحب اعمى، هنالك صديق لي مرة تزوج من بطلة كاراتيه، معها اربعة احزمة سوداء كاراتيه، و مكث سبعة سنين و هو جامد مثل عامود الأسمنت المسلح لا يعاني من شيئ، و لكن بعدها عانى من تهتك بالكبد و كسور متلاحقة بالسيقان و السواعد و القفص الصدري، ثم اصابه تخلف عقلي و مات شامخا، "
"ماشي يا حضرت الجنرال، ساعرفك على صديقة سامية، معها خمسة احزمة سود تايكوتنادو و مبرازة سيوف ياباينة، سأنتقم منك و اجعلك تقع بحبها فهي جميلة و جذابة، و سأنتقم منك على هذا التنمر!!! سنرى حينها عنترتك يا صديقي،"
"في وقت لاحق سنتكلم عن خططك الإنتقانية، عموما، المكتب عبارة عن..." فجأة يرن جرس الرسائل بهاتفه، فيقف لؤي و يسير نحو طاولة الصالة، يتفقد هاتفه قائلا "مستحيل...بهذه السرعة؟"
"ماذا هنالك يا صديقي؟"
"اكاد لا اصدق،"
"ماذا هنالك؟"
"موافقة المكتب، صدرت من معالي امين عمان شخصيا،"
"الف مبروك يا صديقي، ألف مبروك!!!" انا فَرِحْ لك"
"شكرا يا احسان، انه مكتب تحقيقات خاصة كالتي نراها على مسلسلات هوليود احياناً؟"
"ساعة السعد يا صيدقي، لا تخف من شيئ، فانت و خبرتك تعادل شرلوك هولمز بريطانيا بالأردن،"
"و لكن بهذه السرعة، سأضطر لإلغاء ترتيبات و تذاكر السفر الى تركيا و اليونان،"
اكمل احسان بنرة فرحة، "هذا اشارة من الله انه يوافق على مشروعك، انت فعلت خير كثير للبلد وامسكت بمجرمين كثيرا بالأردن، و هذه مكافأة الله لك...ألف مبروك، الله يقول لك ان تبدأ عملك فورا،"
"صديقي سأحتاجك اذا اتتني قضايا تتعلق بالإنترنت،"
"تستطيع الإعتماد علي بما تريد،"
سأحتاج الى جهازين حاسوب كجزء من مسلتزمات المكتب..."
"هدية من صديقك احسان...و آخر الأجهزة تطوراً تحت تصرفك،"
"لا يمكن..."
"نقوط لمكتبك...لن اقبل ان ترد هديتي، لن اعود بكلامي،"
"ألف شكر لك، انت صديق اصيل،"
التقط لؤي هاتفه و طلب رقم، و وضع الهاتف على مكبر الصوت، فاجابت فتاة "ألو"
"مرحبا سهير،"
"اهلا يا بيك، سررت بإتصالك،"
"قبلت سيرتكِ الذاتيةِ، اعجبتني مؤهلاتك المهنية، بعد ثلاثة ايام اي يوم الأربعاء القادم اول يوم دوام،"
"ألف شكر لك يا باشا، سأعدك انني سأبذل جهدي لأثبت كفاءتي المهنية لديك، بالرغم من انها اول مرة سأداوم بمكتب تحقيقات خاصة جنائية،"
"لا تقلقي، فانت سكرتيرة للمكتب فقط، و ساعلمك ما سأحتاجه منك، لا تقلقي، و الراتب كما اتفقنا،"
"تحت امرك يا باشا،"
"شكراً لكِ،"
"هيا يا احسان لنكمل الكنافة ثم سأريك أين مكتبي الجديد، فَرَشْتَهُ بأثاث عصري،"
"دائما مرتب، و حجزت المكتب و فَرَشْتَهُ بالاثاث، باشا...كبير يا باشا،"
*************************
وقف ابراهيم السايس خارج ملحقه يستنشق الهواء الرطب و روائح العطور التي كانت تنشرها نسائم الخريف النشطة من حوله، لم يتضايق مِنْ قطرات المطر التي كانت تتساقط عليه و تروي الحديقة الكبيرة التي احاطت به، فكانت ترطب وجنتيه و يديه ببرودها العذب بعد اشهر من جفاف الصيف الحارق الذي سيطر على السماء و الأرض بجبروته المعتاد، ابتلت ثيابه رويدا رويدا و المطر يشتد و ابتلت تربة الحديقة من حوله و نشرت النسائم العابرة المنعشة عطور الحديقة فاستنشق عطرها و استمتع بما كانت تقدمه السماء من غيث جميل، كانت لاتزال الساعة التاسعة صباحا و كان يجب ان يذهب الى مزرعة سَيِدَهُ هاشم الصائغ في جلعاد ليكمل مع العمال زراعة باقي الأشجار التي استوردها من ايطاليا، فهذه الأشجار لا يتم نقلها بتربة اطلاقا، بل تعالج وتنقل من بلد الى آخر بطريقة خاصة لذا يجب ان تزرع فورا بالتربة كي لا تموت، كانت كلفة شراء و نقل كل شجرة مائة ضعف راتبه الذي يبلغ ست مائة دينار بالشهر، فلو ماتت شجرة من تلك التي ستصل الى جلعاد في منتصف نهار اليوم كان إما سيفقد عمله او سيضطر للعمل لسنة كاملة عند هاشم من دون راتب ليعوض ثمنها،
كان سيده هاشم مسافر مع زوجته ليليان الى سويسرا في زيارة عمل تدوم اسبوع، و كان موعد وصولهما بالغد، لذلك كان يجب ان يتمم المهمة بالسرعة المرجوة، و الا سيغضب منه هاشم كثيرا ، فكان يُعَوِلْ على اتمام المشاريع العالقة بهذه المزرعة خلال شهرين لتكون جاهزة لتصبح مصيفاً مناسباً له و لزوجته، و لكي تناسب حفلاً كبيراً كان سيقيمه بها بمناسبة اهدائه المزرعة لزوجته ليليان خلال الحفل، لهث لسانه لحجم العمل الذي كان يجب اتمامه بالمزرعة، فكانت مساحتها ألف دنم و كانت لاتزال تشهد اعمال كثيرة، و لكن المهندسة التي كانت تشرف على المشروع كانت بارعة بعملها فكان كل شيئ يسير وسط مخطط دقيق لا تقبل النقاش به،
استدار ليعود الى ملحقه ليستعد للطريق الطويلة و لكن سمع صوت نسائي مألوف فجأة يناديه، التفت ليسمع صوت باب المطبخ و الخدمات يُفْتَحْ على مسافة منه، شعر بغضب عارم يجتاح كيانه من صوتها، فكانت تنتقي اسوء اللحظات لتخاطبه، انتظر لدقيقة ريثما سمع صوت اغلاق باب المطبخ و ارتفع صوت طقطقت نعلها و هي تسير على البلاط المحاذي للحديقة، ظهرت سارة الخياط و هي تبتسم له سائرة بسرعة العشيقة الملهوفة على عشيقها، كانت إمرأة ممشوقة القوام ذات شعر اسود طويل تطال خصله خصرها الجذاب، سارت برشاقة بالغة فتراقصت خصل شعرها الناعم مع طقطت نعلها على البلاط حول جسدها لتغدو كالغزال السائر وسط الحديقة الكبيرة، كانت عيناها تشبهان عيني المها، عريضة وسوداء و تحيط بها رموش جذابة سوداء طبيعية تزيدها جاذبية، كان وجهها باسم يشع شبابا و جمالا و هي تقترب من ابرايهم بشغف كبير، اقتربت منه قائلة "صباح الخير يا حبيبي.."
غطى فمها و سحبها فجأة الى زاوية من زوايا الحديقة و قال "هل هذا كلام؟ و في وضح النهار؟ الا تخافي ان يرانا احد الجيران بالبنايات التي تحيط بنا؟"
تبدلت ملامح سارة من سعيدة الى حزينة و اجابت بصدمة "ألست سعيداً برؤيتي؟ منذ خمسة ايام لم تناديني الى ملحقك كما عودتني؟"
اجاب محاولا رسم ابتسامة على وجهه "طبعا كنت سأنيديكِ، و لكنني في هذه الفترة مشغول مع هاشم باشا بمزرعته الجديدة، هذا كل شيئ، عودي الآن لكي لا يرانا احد و سأنديكِ بوقت لاحق، بالليل ربما حينما سأعود من المزرعة،"
قالت و الشك يتمالك صوتها "ردة فعلك الآن لا تطمأن، ألم تعد تحبني؟ تغيرت كثيرا منذ فترة،"
"كيف تقولين هذا الكلام؟ حبك بقلبي لم يذبل يوما، و لكن هاشم باشا يضغطني بالشغل، و نحن نتكلم هنالك شحنة اشجار جديدة استوردها من بلاد الخارج ستصل اليوم بالظهيرة الى المزرعة، سأتأخر ان لم ارتدي ملابسي و انطلق الآن..."
وضعت يديها على كتفيه و حاولت استرجاع ابتسامتها، ثم قالت "قل كلام حب مثل دائما، لا تكسر بخاطري، اعطيني شيئ لقلبي لتصلح خطؤك معي، فلم اراك منذ خمسة ايام...هيا، لا تكسر بخاطري؟"
أجاب بقليل من الغضب "أفٍّ يا سارة ! ليس وقته، عندي عمل. أعدكِ حينما أعود الليلة سأعوضكِ عما تريدين."
ترجت قائلة "اعطيني قليل من كلامك الجميل لأُصَبِرْ به قلبي ريثما تعود،"
حاول ابراهيم امتصاص شغفها رغم تضايقه منها و قال "أتَشُكي انني احبك؟ لو سَرَدْتُ لكِ كل ديوان نزار قباني لن اوفي حبي لك حقه،"
"اتصلوا بي اهلي اليوم، و سألوني متى ستزورهم، يُكْثِرونْ السؤال ولا اعلم كيف سأصبرهم اكثر من هذا،"
ابتسم ابراهيم و قال بِمُحَاولة آخرى للتخلص منها "سارة انا وعدتك، و لن اخلف بوعدي، قولي لهم بأقرب فرصة سأزورهم، هذا وعد مني،"
قابلت سارة ابتسامة ابراهيم بإبتسامة حنونه و قالت له "أظن الخبر الآتي سيفرحك،"
اجاب بفضول "ما ههو يا حلوتي؟"
قالت بكل ثقة و سعادة "انا حامل يا ابرهيم؟"
فجأة تبدلت ملامحه الودودة التي حاول رسمها في تلك الدقائق التي جمعته بها، و شعر بفورة غضب تجتاح كيانه، ارتسمت على وجهه علامات الغضب و عقد حاجبيه و انطلق من تظراته سخط كبير، عادت سارة الى الوراء بضعة خطوات من الخوف منه و قالت له "ماذا دهاك؟"
ارتفع صوته و هو يقول "هذا الولد يجب ان تجهضيه! فورا!"
مرت بضعة ثواني على سارة شعرت و كأنها سنين طويلة، احست بسكاكين تنغرز بقلبها و كلامات ابراهيم تدوي في ذهنها كالقنبلة التي انفجرت للتو، استجمعت قواها و صرخت مترجية "خاف الله بي يا ابراهيم، خاف الله بي...؟"
امسك بكتفيها و هزها بعنف و صَرَخَ بوجهها "انا لست من نوعية من يتزوج! أسمعتي! انا هكذا! طبعي هكذا! انا لست رجل زواج و سارة، احهضي الجنين و سأدفع لكِ كلفة العملية! اسمعتي!"
ابعدت يدي ابراهيم عنها بقوة، عادت الى الوراء بضعة خطوات ثم قالت "الآن عرفت، توسلك لأَسْتَعْمِلْ مانع الحمل، برودك فجأة تجاهي بعد شهرين اشبه بالجنة بالنسبة إلي قضيناهما معا، وُعودُكَ التي خلال الشهرين لم تصدق بها، اهلي الذين كثرة أسألتهم بعد ان قلت لهم أن احدهم ينوي خطبتي، الا يكفي انك اوقعتني بشراك كلامك المعسول و وهبتك اغلى ما املك كإمرأة،"
تساقط الدمع من عيني سارة و هي تكمل بألم شديد، ارتفع صوتها فجاة و هي بحالة صدمة شديدة "الا يكفي اننا عشنا بالحرام! و ياليتني لم اصدق كلمة من التي كنت تقولها لي، تريدني ان اجهض ما في بطني، تريدني ان اكرر الحرام! خاف الرب يا ابراهيم و اطلبني من اهلي!"
اجابها ابراهيم بغضب شديد "كلمة واحدة لن اتنازل عنها، اجضهي ما في بطنك! انا لا اريدك بحياتي!"
صرخت بغضب عارم "يا سافل اخذت ما تريد مني و الآن ترميني خارج حياتك! أعدك يا ابراهيم انني سأجعلك تدفع الثمن غاليا!"
ادارت ظهرها و سارت بخطوات غاضبة و سريعة تجاه الفيلا، تأمل بها ابراهيم و هي تختفي خلف زاوية من زوايا الفيلا و قال في ذاته "كيف سأتخلص منكِ، يجب ان اتخلص منكِ فيبدو انك ستصنعين لي المشاكل،"....يتبع