جفرا نيوز -
بقلم: الدكتور عبدالله محمد أطبيق - قسم الإعلام جامعة سرت دولة ليبيا
يعيش العالم اليوم حالة من الانفجار التكنولوجي غير المسبوق؛ فالذكاء الاصطناعي التوليدي، الواقع الممتد والواقع الافتراضي، والخوارزميات العابرة للقارات، لم تعد مجرد تقنيات هامشية، بل أصبحت تعيد تشكيل بنيوية الإعلام وتغير مفهوم الجمهور وصناعة الخبر بأسره.
أمام هذا التدفق السريع، أصبحت المناهج الإعلامية الكلاسيكية التي تعتمد حصراً على رصد الماضي أو تحليل الحاضر عاجزة بمفردها عن تقديم رؤية استباقية للصناع والجمهور، ومن هنا برزت الدراسات المستقبلية كضرورة منهجية وأكاديمية لتحويل أبحاث الإعلام من مجرد "توصيف للواقع" إلى "أداة لاستشراف وتشكيل المستقبل".
ما هي الدراسات المستقبلية في الحقل الإعلامي؟
الدراسات المستقبلية ليست تنبؤاً بالغيب أو ضرباً من التخمين، بل هي مجموعة من المناهج والأدوات العلمية العابرة للتخصصات، تهدف إلى إعداد استكشافات منظمة للبدائل المستقبلية (الممكنة، المحتملة، والمفضلة) بناءً على اتجاهات الحاضر ومؤشراته.
تطبيق هذه المناهج في البحوث الإعلامية يُمكن الباحثين من:
•توقع التحولات الهيكلية: مثل تحول شكل غرف الأخبار، وظائف الصحفيين، وسلوكيات التلقي.
•بناء الاستراتيجيات: مساعدة المؤسسات الإعلامية على الاستعداد المبكر للتحديات التكنولوجية والتمويلية.
•رصد المخاطر الأخلاقية: التنبؤ بالأشكال الجديدة للتضليل الإعلامي، الانتهاكات الرقمية، والتحيز الخوارزمي قبل استفحالها.
أبرز الأدوات والمناهج المستقبلية المطبقة في الإعلام
لتطبيق المنهج الاستشرافي في الأبحاث الإعلامية، يلجأ الباحثون إلى مجموعة من الأدوات البحثية المتخصصة:
1.تقنية دلفاي: يتم تصميم جولات متتالية من الاستبيانات الموجهة لنخبة من الخبراء (صناع إعلام، تقنيين، أكاديميين) للحصول على إجماع حول مستقبليات محددة (مثل: متى ستختفي التلفزيونات التقليدية لصالح المنصات الرقمية بالكامل؟).
2.بناء السيناريوهات: بناء رسم تخيلي مستقبلي مبني على متغيرين أو أكثر (مثل: التمويل والحرية الرقمية)، ثم صياغة عدة سيناريوهات للمستقبل:
•السيناريو المرجعي: استمرار الاتجاهات الحالية بشكل إيجابي.
•السيناريو المتفائل: نضج التكنولوجيا مع سيادة أخلاقيات الإعلام.
•السيناريو التشاؤمي: هيمنة الاحتكارات التقنية وانتشار الزيف الفائق أو التزييف العميق.
3.تحليل الأثر المتبادل: دراسة كيف يمكن لحدث إعلامي أو تقني واحد (مثل انتصار الذكاء الاصطناعي في إنتاج الأخبار) أن يؤثر متسلسلاً على القوانين، الإعلانات، ومستويات الثقة في الصحافة.
مجالات التطبيق: أين تحتاج أبحاث الإعلام لمناهج الاستشراف؟
تتعدد مجالات تطبيق المناهج الاستشرافية في العلوم الإعلامية؛ ففي اقتصاديات الإعلام، تُسهم هذه المناهج في استشراف النماذج التمويلية البديلة وضمان استدامة المؤسسات الصحفية، وعند دراسة جمهور الإعلام، تساعد في التنبؤ بسلوكيات أجيال المستقبل (مثل الجيل الجديد والأجيال الناشئة) في استهلاك المحتوى، أما على صعيد المهنية والتدريب، فتحدد المهارات الوظيفية الجديدة المطلوبة في الصحفي الهجين بعد عقود، وفي مجال التشريعات والسياسات، تتيح استشراف الأطر القانونية اللازمة للحفاظ على الخصوصية ومواجهة التزييف العميق.
التحديات التي تواجه الباحث الإعلامي عند تطبيق المناهج المستقبلية
•السرعة الفائقة للتغير: تسارع التكنولوجيا يجعل بعض التوقعات المستقبلية قديمة قبل إتمام الرسالة الأكاديمية.
•شح البيانات والمراجع: ضعف المراجع العربية المترجمة أو الشارحة لمناهج استشراف المستقبل وتطبيقها على الظواهر الاجتماعية.
•المقاومة الأكاديمية: ميل بعض اللجان العلمية والمناقشين الأكاديميين إلى المناهج الوصفية والمسحية التقليدية، والتشكيك في علمية المناهج الاستشرافية.
إن إدخال الدراسات المستقبلية إلى كليات الإعلام العربية لم يعد ترفاً بحثياً، بل هو ضرورة وجودية لضمان رصانة البحث وقدرته على توجيه القرار الإعلامي. الباحث الذي يتقن أدوات السيناريوهات وتقنية دلفاي لا يقدم مجرد ورق أكاديمي يُحفظ في المكتبات، بل يبني بوصلة استراتيجية تهدي المؤسسات والمجتمعات نحو التكيف المسبق مع المستقبل المجهول بدلاً من الانكفاء تحت صدمته.