جفرا نيوز -
إياد العدوان
الأردن ليس فقيراً بالمقومات كما توحي بعض القراءات التقليدية لقطاع الطاقة، وليس محكوماً إلى الأبد بدور الدولة المستوردة التي تنتظر وصول النفط والغاز والكهرباء عبر الحدود، المفارقة الحقيقية أن المملكة تجلس في موقع جغرافي بالغ الحساسية وتمتلك بنية تحتية وخبرات بشرية وطاقة متجددة وميناءً استراتيجيًا وشبكة علاقات إقليمية ودولية، لكنها لم تحوّل هذه العناصر حتى الآن إلى وزن إقليمي يتناسب معها.
وفي وقت تُعاد فيه صياغة خرائط الطاقة في المنطقة، وتبحث الدول والشركات عن طرق إمداد أكثر أمنًا ومرونة، تبدو الفرصة الأردنية أكبر من أي وقت مضى، لكن الخطر أيضًا أكبر، وهو أن تتأخر المملكة في التقاط اللحظة، فتتحول المقومات التي يمكن أن تصنع منها مركزًا إقليميًا إلى فرص تستثمرها دول أخرى.
على ضوء ذلك، قال المستشار السابق لوزير الطاقة والثروة المعدنية، والمستشار السابق في صندوق الأوبك للتنمية الدولية (OFID)، حامد النبابته، لـ"جفرا نيوز"، إن الأردن لا تنقصه المقومات، وإنما تنقصه السرعة في تحويلها إلى قرار ومشروع ونفوذ اقتصادي.
وأشار النبابته إلى أن هناك فارقًا كبيرًا بين دولة يُقال إنها "مرشحة" لتصبح محورًا إقليميًا للطاقة، ودولة تمتلك بالفعل معظم العناصر التي تؤهلها لممارسة هذا الدور.
وبيّن أن جمع عناصر القوة الأردنية في صورة واحدة يكشف معادلة مختلفة تمامًا، فالموقع الجغرافي والاستقرار والبنية التحتية والخبرات البشرية والطاقة المتجددة والعقبة والعلاقات الإقليمية والدولية ليست عناصر منفصلة، وإنما أوراق يمكن أن تصنع للأردن موقعًا استراتيجيًا إذا جرى دمجها ضمن مشروع وطني واضح.
ولفت إلى أن القضية لم تعد قدرة الأردن على التحول إلى محور للطاقة، وإنما قدرته على التحرك قبل أن تسبقه دول أخرى إلى المواقع والأسواق والممرات التي تُعاد صياغتها الآن، مضيفًا أن الطاقة ليست قطاعًا ينتظر طويلًا؛ فمن يسبق إلى بناء البنية التحتية وتأمين الممرات وإنشاء شبكات الربط واستقطاب المستثمرين، يصبح جزءًا من قواعد اللعبة، أما من ينتظر اكتمال كل الظروف فقد يكتشف أن السوق الإقليمي اكتمل من دونه.
وحذّر النبابته من النظر إلى المسألة من زاوية الإنتاج فقط، لأن الدولة التي تريد أن تصبح مركزًا إقليميًا للطاقة عليها أن تثبت أولًا أنها قادرة على حماية منظومتها عندما تقع الصدمة، ذلك أن القيادة الإقليمية لا تُقاس بعدد الميغاواطات فقط، وإنما بقدرة المؤسسات على الصمود أمام الأزمات الاستثنائية، بما في ذلك المخاطر التي قد تطال شبكات الكهرباء والاتصالات والأنظمة الرقمية، مثل النبضة الكهرومغناطيسية (EMP) والعواصف الجيومغناطيسية.
وفي السياق ذاته، استحضر النبابته حادثة كارينغتون عام 1859، التي أدت إلى اضطرابات واسعة في شبكات التلغراف، مشيرًا إلى أن عالم اليوم أكثر هشاشة أمام مثل هذه الأحداث، بسبب الاعتماد الهائل على الكهرباء والاتصالات والأنظمة الرقمية.
وبحسب النبابته، فإن الأخطر هو أنه إذا تحول الأردن إلى عقدة إقليمية للطاقة، فإن أي خلل كبير في منظومته لن يكون شأنًا أردنيًا داخليًا فقط، بل سيتحول تلقائيًا إلى جزء من أمن الطاقة الإقليمي، مبينًا أن هذا ما يحدث لأي دولة تصبح ممرًا للكهرباء والطاقة والبيانات والاستثمارات.
وأضاف أن الأردن، إذا أراد أن يطلب من الآخرين الاعتماد عليه، فهو بحاجة إلى حماية الأصول الحيوية، وتحصين مراكز التحكم، وتوفير مخزون مناسب من المحولات الكبرى، وتطوير شبكات ذكية ولا مركزية، ووضع خطط وطنية لإعادة تشغيل المنظومة بعد الصدمات، لافتًا إلى أن هذا لا يُعد ترفًا فنيًا، بل جزءًا من "رأس المال الاستراتيجي".
وأوضح أن الاستثمار في الطاقة لا يبحث عن أرخص كيلوواط فقط، بل يبحث عن الاستمرارية، وأن الدولة التي تستطيع ضمان استمرار التشغيل في الظروف الاستثنائية تعزز الثقة لدى شركائها.
ووفق النبابته، يمكن للأردن أن يبني ميزة إقليمية مختلفة، عبر التحول إلى ما يمكن وصفه بـ"ممتص إقليمي لصدمات الطاقة"، فالمنطقة تعيش تحت ضغط مستمر من الأزمات الجيوسياسية واختناقات الإمداد، وفي مثل هذه البيئة تصبح الطرق البديلة والمنافذ الآمنة والتخزين والربط الكهربائي أدوات قوة حقيقية.
وقال النبابته إن العقبة في هذه المعادلة ليست مجرد ميناء أردني على البحر الأحمر، وإنما يمكن أن تكون نقطة التقاء بين البحر والبر، وبين النفط والغاز والكهرباء والطاقة المتجددة، كما يمكن أن تتحول إلى جزء من منظومة أوسع تربط مسارات متعددة وتمنح المنطقة بدائل عندما تتعرض إحدى طرق الإمداد للاضطراب.
وهنا تحديدًا تكمن إحدى أكثر الفرص أهمية للأردن، وهي تحويل الجغرافيا من مجرد ميزة طبيعية إلى نفوذ اقتصادي قابل للاستثمار.
وأوضح أن الأردن لا يستطيع منافسة دول الخليج في حجم احتياطيات النفط والغاز، وليس مطلوبًا منه ذلك أصلًا، لكن بإمكانه المنافسة في مجالات أخرى، والانتقال من أن يكون "دولة عبور" إلى "دولة تأثير"، إذا جرى التعامل مع العقبة والربط الكهربائي والتخزين ومشروعات النقل والطاقة باعتبارها أجزاء من منظومة واحدة.
وفي قطاع الكهرباء، أشار النبابته إلى أن الخطأ يكمن في التعامل مع مشاريع الربط باعتبارها مجرد خطوط تنقل الكهرباء من دولة إلى أخرى، فالربط الكهربائي مع العراق، على سبيل المثال، يمكن أن يكون جزءًا من ممر استراتيجي متعدد الطاقة، يتكامل مع النفط والغاز والخدمات اللوجستية والبنية التحتية في العقبة.
وأضاف أنه عندما توضع مشاريع مثل خط البصرة–العقبة والربط الكهربائي والميناء والتخزين ضمن إطار واحد، فإن القيمة الاقتصادية المحتملة لا تعود ناتجة عن كل مشروع منفردًا، وإنما عن الشبكة التي تصنعها هذه المشاريع مجتمعة.
وعلى الصعيد الأوروبي، قال النبابته إن أوروبا تمثل فرصة مهمة للأردن، خصوصًا مع الاهتمام المتزايد بالطاقة النظيفة وتخزين الكهرباء وتطوير الشبكات، إلى جانب تطور الشراكة بين الأردن والاتحاد الأوروبي.
وأوضح أن هذا يعطي الأردن فرصة ليقدم نفسه بصورة مختلفة؛ ليس فقط كدولة تحتاج إلى الطاقة، وإنما كشريك قادر على المساهمة في استقرار الطاقة وربط المنطقة بالخليج والبحر المتوسط وأوروبا.
وأشار إلى أن الموقع وحده لا يكفي لجذب الاستثمار، لأن المستثمر يريد أن يعرف أن هناك تشريعات واضحة، وقرارًا سريعًا، واستقرارًا في السياسات، وقدرة على حماية المشروع وضمان استمراره لسنوات طويلة.
ولفت إلى أن الأردن لديه ميزة مهمة تتمثل في الكفاءات البشرية، من مهندسين وخبراء في الكهرباء والطاقة المتجددة والربط والتمويل والتشريعات، وهذه الخبرات يمكن أن تكون عامل جذب للاستثمار، وليس مجرد عنصر مساعد.
وشدد النبابته على أن مشكلة الأردن لا تتمثل في نقص الأفكار أو الكفاءات أو الفرص، وإنما في الوقت الذي نحتاجه لتحويل الفرصة إلى "قرار"، مبينًا أن الوقت مهم جدًا في قطاع الطاقة، فالدولة التي تتحرك مبكرًا وتبدأ التنفيذ بسرعة هي التي تستطيع جذب الاستثمارات وبناء الممرات وربط الأسواق، أما التأخر، حتى لو كان لأسباب إدارية أو بسبب انتظار الدراسات والإجراءات، فقد يعني أن الفرصة أصبحت متاحة لغيرنا.
ونوّه إلى أن الأردن بحاجة إلى جمع هذه العناصر في مشروع واحد واضح، بدلًا من التعامل مع كل مشروع بصورة منفصلة، وأن يطمح إلى أن يكون منصة للطاقة، تنتجها وتخزنها وتبادلها وتقدم الخدمات المرتبطة بها وتربط الأسواق، كما يمكنه أن يكون جزءًا من شبكة تربط العراق والخليج ومصر وشرق المتوسط وأوروبا، بحيث تتكامل فيها الكهرباء والنفط والغاز والطاقة المتجددة والتخزين والخدمات اللوجستية، فإذا وصل إلى هذه المكانة فلن يكون المهم فقط كم ميغاواط ينتج الأردن، وإنما حجم الطاقة والاستثمارات والخدمات التي يمكن أن تمر عبره وتستفيد منها المملكة.
وقال إن العقبة ليست مجرد ميناء، والربط مع العراق ليس مجرد خط كهرباء، والطاقة المتجددة ليست مجرد مصدر للكهرباء، والشراكة مع أوروبا ليست مجرد اتفاقيات، فإذا استطعنا جمع هذه العناصر ضمن منظومة واحدة، فلدينا فرصة حقيقية لبناء موقع جديد للأردن في خريطة الطاقة الإقليمية، أما إذا استمر كل مشروع منفصلًا، وكل فرصة بحاجة إلى قرار جديد، وتأخرنا في التعامل مع التحولات التي تشهدها المنطقة، فقد نصل إلى مرحلة نمتلك فيها المقومات، لكن لا نمتلك النفوذ الذي يمكن أن تصنعه هذه المقومات.
وفي نهاية حديثه، أكد النبابته أن الموضوع لم يعد مجرد قضية طاقة، وإنما أصبح قضية قرار اقتصادي واستراتيجي، فالمقومات والفرصة موجودة، لكن المطلوب هو سرعة القرار والتنفيذ، ونظرًا إلى التغيرات السريعة التي تشهدها المنطقة، لا يمكننا الانتظار حتى تصبح الصورة مكتملة تمامًا، وعليه فإن الدولة مطالبة بأن تتحرك أولًا حتى تصنع موقعها قبل الآخرين.