جفرا نيوز -
خالد مفلح البداوي
لا يمكن التعامل مع الهدنة بين إيران والولايات المتحدة بوصفها تحولاً استراتيجياً في مسار الصراع، بقدر ما هي إجراء تكتيكي فرضته اعتبارات مرحلية معقدة لدى الطرفين. فالعلاقة التي يحكمها تاريخ طويل من عدم الثقة، والتناقض في المصالح، لا يمكن أن تُختزل في تفاهم مؤقت أو تهدئة محدودة الزمن.
الهدنة، في جوهرها، تعكس إدراكاً متبادلاً لكلفة التصعيد المباشر، لا سيما في ظل بيئة دولية مضطربة، وضغوط داخلية متزايدة على كلٍ من واشنطن وطهران. فالولايات المتحدة تواجه تحديات استراتيجية متعددة على الساحة الدولية، وتدرك أن فتح جبهة صراع جديدة في الشرق الأوسط قد يربك أولوياتها. في المقابل، تعاني إيران من ضغوط اقتصادية خانقة نتيجة العقوبات، وتحديات داخلية تستدعي قدراً من التهدئة لتفادي مزيد من التآكل في بنيتها الاقتصادية والاجتماعية.
غير أن هذه الهدنة لا تعالج جوهر الخلاف، بل تؤجله. فالملف النووي الإيراني لا يزال نقطة التوتر الأساسية، إلى جانب شبكة النفوذ الإقليمي التي بنتها طهران عبر سنوات، والتي تعتبرها واشنطن تهديداً مباشراً لتوازن القوى في المنطقة. وفي المقابل، تنظر إيران إلى الوجود الأمريكي في محيطها كعامل ضغط دائم يستهدف تقويض دورها الإقليمي.
ما بعد الهدنة سيكون، على الأرجح، مرحلة إعادة تموضع استراتيجية. الولايات المتحدة قد تسعى إلى تعزيز منظومات الردع غير المباشر، عبر الحلفاء الإقليميين، وتكثيف أدوات الضغط الاقتصادية والسياسية دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة. أما إيران، فستعمل على تثبيت مكتسباتها، وتوسيع هامش حركتها ضمن حدود لا تستفز رداً عسكرياً مباشراً.
على المستوى الإقليمي، تبقى التداعيات مفتوحة. فالهدوء النسبي قد ينعكس انخفاضاً في وتيرة التوتر، لكنه لا يضمن الاستقرار. إذ إن ساحات النفوذ غير المباشر ستظل عرضة للاهتزاز، وربما تتحول إلى مسارح اختبار لإرادة الطرفين، في ظل غياب تسوية شاملة تنظم قواعد الاشتباك بشكل واضح.
اقتصادياً، قد توفر الهدنة متنفساً محدوداً للأسواق، خصوصاً في قطاع الطاقة، لكنها تبقى رهينة الاستقرار السياسي. أي اختلال في مسار التفاهمات قد يعيد حالة عدم اليقين، ويؤثر بشكل مباشر على الإمدادات والأسعار، بما ينعكس على الاقتصاد العالمي ككل.
في المحصلة، الهدنة لا تمثل نهاية للصراع، بل تعبيراً عن انتقاله من طور المواجهة المباشرة إلى إدارة الصراع بأدوات أكثر حذراً وتعقيداً. إنها مرحلة اختبار بامتياز، تُقاس فيها حدود القوة، وتُعاد فيها صياغة موازين الردع، دون أن يعني ذلك الاقتراب الفعلي من تسوية نهائية.
وعليه، فإن قراءة ما بعد الهدنة يجب أن تنطلق من قاعدة أساسية: الصراع لم ينتهِ، بل دخل مرحلة أكثر دقة، تُدار فيها الأزمات بدل أن تُحسم