جفرا نيوز -
بقلم : رائد العورتاني
كأس العالم 2026.. هل تنتصر الرياضة على الحروب أم تصبح رهينة للصراعات الدولية؟
لم يعد كأس العالم مجرد بطولة رياضية يتابعها مليارات البشر من مختلف أنحاء العالم، بل أصبح حدثاً سياسياً وإعلامياً وأمنياً بامتياز، تتقاطع فيه مصالح الدول الكبرى وتنعكس على هامشه التوترات والصراعات التي تشهدها الساحة الدولية، ومع انطلاق كأس العالم 2026 في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، تتزايد التساؤلات حول قدرة العالم على إبقاء الرياضة بعيدة عن نيران الأزمات المتصاعدة التي تضرب العديد من المناطق، وفي مقدمتها الشرق الأوسط.
فالعالم اليوم يعيش مرحلة غير مسبوقة من الاستقطاب السياسي والعسكري، بدءاً من الحرب الروسية الأوكرانية، مروراً بالحرب في غزة، ووصولاً إلى المواجهة المفتوحة بين إيران وإسرائيل، وما يرافقها من تهديدات متبادلة واحتمالات لتوسع دائرة الصراع، وفي ظل هذا المشهد المضطرب، يصبح من الصعب النظر إلى كأس العالم على أنه مجرد منافسة رياضية معزولة عن الواقع السياسي المحيط بها.
ومن وجهة نظر سياسية، فإن السياسات الأمريكية خلال السنوات الأخيرة، وما رافقها من تدخلات وصراعات وانحيازات في العديد من الملفات الدولية، ساهمت في زيادة حالة الاحتقان العالمي وتعميق الانقسامات بين القوى الدولية والإقليمية، وقد أدى ذلك إلى خلق بيئة أكثر هشاشة من الناحية الأمنية، الأمر الذي يجعل أي حدث عالمي ضخم، بحجم كأس العالم، محط أنظار مختلف الأطراف الساعية إلى توجيه رسائل سياسية أو إعلامية أو حتى أمنية.
أما فيما يتعلق باحتمالات استهداف المنتخبات أو اللاعبين المشاركين في البطولة، فإن استبعاد هذا السيناريو بشكل مطلق قد لا يكون قراءة واقعية في عالم مليء بالمفاجآت والتوترات، صحيح أن المنتخبات ستخضع لإجراءات أمنية مشددة وغير مسبوقة، وأن الدول المستضيفة تمتلك إمكانيات أمنية واستخبارية متطورة، إلا أن طبيعة التهديدات الحديثة تغيرت كثيراً، وأصبحت تتجاوز المفهوم التقليدي للأمن لتشمل الهجمات السيبرانية، والحرب الإعلامية، والعمليات الفردية، ومحاولات استغلال التجمعات الجماهيرية الكبرى لتحقيق أهداف سياسية أو دعائية.
ومع ذلك، فإن الخطر الأكبر لا يكمن بالضرورة في استهداف اللاعبين أو المنتخبات بشكل مباشر، بل في احتمال تحويل البطولة إلى منصة عالمية لتصفية الحسابات السياسية وإرسال الرسائل بين الأطراف المتصارعة، فحين تصبح الملاعب ساحة لعرض المواقف السياسية، وحين تتحول المدرجات إلى منابر للصراعات الدولية، فإن الرياضة تفقد جزءاً من رسالتها الإنسانية وتصبح انعكاساً للأزمات التي يعاني منها العالم، ولعل ما يثير القلق أكثر هو أن العالم لم يعد يعيش خلافات سياسية عابرة، بل يشهد صراعاً على النفوذ وإعادة رسم موازين القوى الدولية، وهو ما يجعل أي حدث عالمي عرضة للاستغلال السياسي والإعلامي، ومن هنا فإن التحدي الحقيقي أمام منظمي كأس العالم 2026 لن يكون تنظيم المباريات أو إدارة الحشود الجماهيرية فقط، بل حماية البطولة من تداعيات الصراعات الدولية ومنع تحويلها إلى ساحة جديدة في معارك النفوذ والمصالح.
لقد أصبح العالم أكثر اضطراباً من أي وقت مضى، وأصبحت الأحداث الرياضية الكبرى تعكس حجم الانقسام الدولي القائم، وإذا كانت كرة القدم قد وجدت لتقريب الشعوب وكسر الحواجز بينها، فإن الخشية اليوم ليست من نتيجة مباراة أو خسارة منتخب، بل من أن تتحول ملاعب العالم إلى امتداد للصراعات السياسية والعسكرية التي تعصف بالمنطقة والعالم.
إن استمرار الحروب وسياسة المحاور والاستقواء بالقوة العسكرية لن يجلب الأمن والاستقرار لأحد، بل سيزيد منسوب التوتر والكراهية وعدم اليقين، ولذلك فإن نجاح كأس العالم 2026 لن يقاس بعدد الأهداف المسجلة أو حجم العائدات المالية، بل بقدرة المجتمع الدولي على إبقاء الرياضة بعيدة عن الحسابات السياسية والصراعات الدموية.
فالعالم لا يحتاج إلى مزيد من الحروب، بل إلى مساحات تلتقي فيها الشعوب تحت راية التنافس الشريف والاحترام المتبادل، وعندها فقط يمكن للرياضة أن تؤدي رسالتها الحقيقية بوصفها جسراً للتواصل بين الأمم، لا ساحة جديدة للصراع بينها، وأن تثبت أن كرة القدم ما زالت قادرة على توحيد ما فرقته السياسة والحروب.