جفرا نيوز -
بفلم: رائد العورتاني
لطالما بدت العلاقة بين رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس الأميركي دونالد ترامب وكأنها تحالف استثنائي قائم على التوافق الكامل في الرؤية السياسية تجاه الشرق الأوسط إلا أن التطورات المتسارعة تكشف أن هذا التحالف لم يكن يوماً خالياً من الحسابات الشخصية وصراع النفوذ بين رجلين يعتقد كل منهما أنه صاحب القرار والتأثير الأكبر.
يسعى نتنياهو إلى الحصول على ضوء أخضر أميركي لتنفيذ ما يصفه بأنه "الضربة الحاسمة” ضد إيران، إلى جانب استمرار العمليات العسكرية في اليمن ولبنان في محاولة لإعادة رسم موازين القوى الإقليمية بما يخدم المشروع الإسرائيلي، إلا أن حسابات واشنطن لا تتطابق بالضرورة مع طموحات تل أبيب، ترامب ينظر إلى الملفات الدولية من زاوية مختلفة تقوم على تحقيق مكاسب سياسية واقتصادية واضحة وتثبيت صورته كزعيم قادر على فرض الصفقات وليس فقط خوض الحروب.
أما قطاع غزة فقد تحول إلى واحدة من أكثر الساحات تعقيداً، حيث لم تعد القضية مرتبطة فقط بالبعد العسكري بل أصبحت تتقاطع مع مشاريع سياسية واقتصادية دولية وشركات كبرى تسعى إلى التأثير في مستقبل القطاع تحت عناوين مختلفة، بينما تبقى المعاناة الإنسانية للشعب الفلسطيني هي الحقيقة الأكثر وضوحاً وسط صراع المصالح.
في الضفة الغربية تستمر إسرائيل في فرض وقائع جديدة على الأرض من خلال التوسع الاستيطاني والإجراءات الأمنية ومصادرة الأراضي في محاولة لتكريس واقع سياسي يخدم رؤيتها لمستقبل الأراضي الفلسطينية، أن هذه السياسات تنسجم مع توجهات داخل التيار اليميني الإسرائيلي الساعي إلى ترسيخ مفهوم "يهودية الدولة” على حساب مبدأ الدولة المدنية وحقوق السكان الأصليين عبر فرض تغييرات ديموغرافية وجغرافية عميقة تهدف إلى تقليص الوجود الفلسطيني ودفع المنطقة نحو واقع جديد يصعب تغييره، تبقى المخاوف قائمة من أن تتحول هذه السياسات إلى مسار يؤدي إلى إخلاء الفلسطينيين من أراضيهم أو تهجيرهم قسرياً بما يهدد أي إمكانية لتحقيق تسوية سياسية عادلة وشاملة.
لكن ماذا لو قرر ترامب عدم الاستجابة لكل مطالب نتنياهو، هل يعني ذلك أن رئيس الوزراء الإسرائيلي سيتراجع، التاريخ السياسي لنتنياهو يشير إلى العكس فهو شخصية تعتمد على المناورة والضغط وخلق البدائل، قد يلجأ إلى خيارات متعددة من بينها التحرك بشكل منفرد في بعض الملفات أو محاولة صناعة ظروف سياسية وأمنية تدفع الإدارة الأميركية لاحقاً إلى تبني خيارات أكثر تشدداً.
في بداية العلاقة بين ترامب ونتنياهو ظهر نتنياهو وكأنه يمتلك قدرة كبيرة على التأثير في قرارات ترامب خصوصاً بعد سنوات من التقارب السياسي بينهما حيث اعتقد كثيرون أن رئيس الوزراء الإسرائيلي كان أحد أكثر الشخصيات الأجنبية قدرة على الوصول إلى دوائر القرار في واشنطن، لكن ترامب بطبيعته السياسية لا يقبل أن يكون في موقع التابع لأي طرف فهو يريد دائماً أن يظهر باعتباره صاحب القرار الأول وصاحب الإنجاز الأكبر.
هنا بدأ التباين يظهر تدريجياً، نتنياهو استفاد من الدعم الأميركي غير المسبوق في مراحل مختلفة لكنه في الوقت نفسه لا ينظر بسهولة إلى أي محاولة لتقييد حركته أو تقليص نفوذه، أما ترامب يرى أن الدعم الذي قدمه لإسرائيل يجب أن يُترجم إلى مكاسب سياسية تعزز صورته أمام الداخل الأميركي والعالم.
إن العلاقة بين نتنياهو وترامب ليست مجرد علاقة بين حليفين، بل هي علاقة بين شخصيتين سياسيتين شديدتي القوة لكل منهما مشروعه وحساباته الخاصة، لذلك فإن أي تصدع بينهما قد لا يبقى داخل الغرف المغلقة بل قد ينعكس على ملفات المنطقة بأكملها.
من خلال قراءة شخصية نتنياهو ومسيرته السياسية فإن الرجل لا يتعامل مع الخلافات باعتبارها نهاية الطريق بل يحولها إلى معارك جديدة، أما ترامب الذي يعتمد على أسلوب الضغط والمساومة فلن يقبل بسهولة أن يشعر بأن أي حليف قادر على فرض أجندته عليه.
المرحلة المقبلة قد تحمل تطورات سياسية وأمنية كبيرة، فالصراع داخل دائرة التحالف الواحد قد يكون أحياناً أكثر تأثيراً من الصراع بين الخصوم، وإذا تعمقت الخلافات بين واشنطن وتل أبيب، فقد نشهد إعادة ترتيب للأوراق سواء عبر تغييرات سياسية داخلية أو تحولات في التحالفات أو إعادة تعريف لطبيعة العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل.
الشرق الأوسط يقف أمام مرحلة دقيقة عنوانها الأكبر ليس فقط الصراع بين الدول بل الصراع داخل مراكز النفوذ نفسها، حيث تتغير التحالفات عندما تتعارض المصالح، ويبقى السؤال الأهم "من يملك القدرة على فرض رؤيته في النهاية، من يملك القوة العسكرية، أم من يملك القرار السياسي".