اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
النسخة الكاملة

اللعب… حين تبني لحظات الطفولة صحة الإنسان النفسية

الأربعاء-2026-07-29 02:04 pm
جفرا نيوز -
بقلم: سامي الكايد "اخصائي نفسي إكلينيكي"

في عالمٍ يتسارع فيه إيقاع الحياة، وتزداد فيه الضغوط الأكاديمية، وتتسع فيه مساحة الشاشات على حساب المساحات الخضراء، أصبح اللعب بالنسبة لكثير من الأطفال ترفًا يمكن الاستغناء عنه، أو مكافأة تُمنح بعد إنهاء الواجبات المدرسية، إلا أن الحقيقة التي تؤكدها علوم النفس والتربية والأعصاب هي أن اللعب ليس ترفًا، وليس مضيعةً للوقت، بل هو أحد أهم الحقوق النمائية للطفل، وأحد الأعمدة الأساسية التي تقوم عليها صحته النفسية وتوازنه الانفعالي وقدرته على بناء شخصية سليمة.
فالطفل لا يعيش اللعب كما يراه الكبار، وإنما يعيش من خلاله الحياة نفسها، إنه يتعلم، ويجرب، ويخطئ، ويكتشف، ويخاف، ويطمئن، ويكوّن علاقاته الأولى مع العالم، لذلك فإن كل دقيقة يقضيها الطفل في اللعب ليست دقيقة خارج دائرة التعلم، بل هي لحظة يبني فيها دماغه، ويشكل فيها شخصيته، ويؤسس فيها صحته النفسية للمستقبل.
إن أخطر ما يمكن أن نفعله بأطفالنا هو أن نحصر مفهوم النجاح في التحصيل الدراسي وحده، وأن نملأ جداولهم بالدروس والأنشطة المنظمة، بينما نسلب منهم المساحة التي تمنحهم فرصة أن يكونوا أطفالًا، فالطفولة ليست مرحلة انتظار للحياة، بل هي الحياة ذاتها، واللعب هو لغتها الأولى.
لقد أثبتت الدراسات الحديثة أن السنوات الأولى من عمر الطفل تمثل الفترة الأكثر حساسية في تشكيل الدماغ، حيث تتكون ملايين الوصلات العصبية استجابةً للتجارب اليومية، ومن بين أكثر هذه التجارب تأثيرًا يأتي اللعب الحر، الذي يمنح الطفل بيئة غنية بالمثيرات الحسية والانفعالية والاجتماعية، فينشط مناطق الدماغ المسؤولة عن التفكير والإبداع والتنظيم الانفعالي واتخاذ القرار، لذلك فإن الطفل الذي يلعب لا يكتسب المتعة فقط، بل يبني البنية العصبية التي سيعتمد عليها طوال حياته في التعلم، وضبط الانفعالات، وحل المشكلات.
ومن منظور الصحة النفسية، فإن اللعب يمثل الوسيلة الطبيعية التي يعبر بها الطفل عن عالمه الداخلي، فالطفل الذي لا يمتلك المفردات الكافية ليصف خوفه أو حزنه أو غضبه، يستطيع أن يفعل ذلك من خلال لعبة، أو دمية، أو قصة ينسجها بخياله، ولهذا السبب يصف علماء النفس اللعب بأنه "لغة الطفل"، لأنه يكشف عن مشاعره بطريقة قد تعجز الكلمات عن نقلها،
وليس من المبالغة القول إن كثيرًا من المشكلات النفسية لدى الأطفال تظهر أولًا في طريقة لعبهم قبل أن تظهر في حديثهم، فالطفل القلق، أو الذي تعرض لخبرة صادمة، أو يعيش ضغوطًا أسرية، قد يعيد تمثيل تلك الخبرات أثناء اللعب دون أن يدرك ذلك، مما يجعل اللعب نافذة مهمة لفهم احتياجاته النفسية والانفعالية.
كما أن اللعب يؤدي وظيفة علاجية طبيعية، فهو يسمح للطفل بتفريغ التوتر والضغوط بطريقة آمنة، ويمنحه شعورًا بالسيطرة على الأحداث التي قد يشعر بالعجز أمامها في الواقع، ولذلك نلاحظ أن الأطفال غالبًا ما يعودون إلى اللعب بعد المواقف الصعبة، وكأنهم يحاولون إعادة تنظيم عالمهم الداخلي واستعادة شعورهم بالأمان.
ومن الجوانب التي كثيرًا ما يغفل عنها الآباء أن اللعب يعلم الطفل مهارات الحياة دون أن يشعر بأنه يتعلم، فعندما ينتظر دوره في لعبة جماعية، فإنه يتدرب على الصبر واحترام الآخرين، وعندما يخسر مباراة ويحاول من جديد، فإنه يتعلم المرونة النفسية وتحمل الإحباط، وعندما يختلف مع أصدقائه حول قواعد اللعبة ثم يصل معهم إلى حل، فإنه يكتسب مهارات التفاوض وحل النزاعات، أما عندما يبني برجًا من المكعبات ثم ينهار أمامه، فإنه يتعلم أن الفشل ليس نهاية الطريق، بل بداية لمحاولة جديدة أكثر نجاحًا.
هذه الخبرات البسيطة التي قد تبدو للكبار عادية، هي في الحقيقة اللبنات الأولى التي تتشكل منها شخصية الإنسان في المستقبل.
وفي السنوات الأخيرة، برزت ظاهرة تستحق الوقوف عندها، وهي تراجع فرص اللعب الحر مقابل الزيادة الكبيرة في استخدام الأجهزة الإلكترونية، لقد أصبح كثير من الأطفال يقضون ساعات طويلة أمام الشاشات، بينما تقلصت ساعات اللعب الحركي والاجتماعي بصورة ملحوظة، ومع أن التكنولوجيا أصبحت جزءًا من حياتنا، إلا أن الإفراط في استخدامها قد يحرم الطفل من الخبرات التي لا يمكن للشاشة أن توفرها؛ كالتفاعل المباشر، والحركة، والتجربة، والتعاون، والتفاوض، واستخدام الخيال.
إن الطفل الذي يقفز، ويركض، ويتسلق، ويبني، ويرسم، ويبتكر، لا ينمي عضلاته فقط، بل ينمي أيضًا مرونته النفسية، وثقته بنفسه، وقدرته على مواجهة التحديات، أما الطفل الذي يكتفي بالمشاهدة السلبية، فإنه يخسر فرصًا ثمينة لبناء هذه المهارات.
ومن هنا جاءت أهمية العلاج باللعب، الذي أصبح أحد أكثر الأساليب العلاجية فاعلية في التعامل مع الأطفال، فالأخصائي النفسي لا يطلب من الطفل أن يصف مشاعره كما يُطلب من البالغين، وإنما يهيئ له مساحة آمنة للعب، لأن الطفل أثناء اللعب يكشف عن مخاوفه وصراعاته وأحلامه بصورة تلقائية، ومن خلال هذه اللغة الخاصة يستطيع الأخصائي مساعدته على تجاوز القلق، والتعامل مع الصدمات، وتنظيم انفعالاته، وتعزيز ثقته بنفسه بطريقة تتناسب مع عمره وقدراته.
ولا يقتصر دور اللعب على الجانب النفسي فحسب، بل يمتد ليكون أحد أهم محركات التعلم، فالتعلم الحقيقي لا يحدث عندما يحفظ الطفل المعلومات فقط، بل عندما يعيشها ويكتشفها بنفسه، ولهذا أصبحت الأنظمة التعليمية الحديثة تعتمد بصورة متزايدة على التعلم القائم على اللعب، لأنه يزيد من دافعية الطفل، ويعزز الفضول، ويربط المعرفة بالخبرة العملية، مما يجعل التعلم أكثر رسوخًا ومتعة.
إن مسؤوليتنا اليوم لا تتمثل في شراء المزيد من الألعاب بقدر ما تتمثل في توفير الوقت، والمساحة، والأمان، والحضور الحقيقي مع أطفالنا، فالطفل لا يحتاج إلى ألعاب باهظة الثمن بقدر حاجته إلى والدين يجلسان معه على الأرض، ويشاركانه بناء برج من المكعبات، أو رسم لوحة، أو اختراع قصة، أو الركض معه في الحديقة، ففي تلك اللحظات البسيطة تتشكل الذكريات، وتنمو الثقة، وتتعمق العلاقة، وتترسخ الصحة النفسية.
ختامًا، إذا أردنا أن نبني جيلًا أكثر توازنًا، وأكثر قدرة على مواجهة الضغوط، وأكثر إبداعًا في التفكير، فعلينا أن نعيد الاعتبار للعب بوصفه حقًا أصيلًا من حقوق الطفل، لا وقتًا ضائعًا في يومه، فكل لحظة لعب يعيشها الطفل بحرية، هي استثمار طويل الأمد في صحته النفسية، وشخصيته، وقدرته على بناء مستقبل أكثر استقرارًا ونجاحًا.
فاللعب ليس هروبًا من الحياة، بل هو الطريقة التي يتعلم بها الطفل كيف يعيشها.
هذه النسخة أقرب إلى المقالات الصحفية الاحترافية التي تُنشر في الصحف والمجلات، وتعتمد على السرد والتحليل النفسي أكثر من عرض المعلومات، مما يجعلها أكثر تأثيرًا وقوة في القراءة.
© جميع الحقوق محفوظة لوكالة جفرا نيوز 2024
تصميم و تطوير