جفرا نيوز -
مالك عثامنة، الكاتب الذي اعتدنا أن نقرأ له نصوصاً فلسفية عميقة تتجاوز اللحظة السياسية إلى أسئلة الوجود والسلطة والحرية، يقف اليوم أمام مفارقة لافتة. ففي مقاليه الأخيرين حول زيادة رواتب المتقاعدين والمدينة الجديدة، بدا أكثر ميلاً نحو القراءة الإيجابية لقرارات الحكومة، وهو ما أثار تساؤلاً مشروعاً حول مسافة المثقف عن السلطة. في موضوع زيادة الرواتب (30 ديناراً لمن تقل رواتبهم عن 600 دينار، ممولة من ترشيد النفقات)، أبرز مالك المنهجية التي اعتمدتها حكومة جعفر حسان — أخذ الزيادة من وفورات داخلية بدلاً من زيادة العجز — وهي خطوة منطقية تعكس انضباطاً مالياً مطلوباً، لكنها في جوهرها ليست إنجازاً استثنائياً بل بديهية متأخرة كان يُفترض أن تكون جزءاً أساسياً من عمل أي حكومة منذ سنوات. الثناء المكثف على تنفيذ «الأقل المتوقع» يجعل النص أقرب إلى التبرير منه إلى النقد البنّاء الذي عهدناه منه.
أما مشروع المدينة الجديدة، فقد قدمه كرؤية استراتيجية طويلة الأمد تستحق الدعم، وهذا الطرح له وجاهته في مواجهة النمو السكاني المستقبلي. لكن النقد المنصف يقتضي الإشارة إلى أن الأولوية الأكثر تأثيراً على حياة المواطنين اليوم تكمن في تطوير الامتدادات الطبيعية لعمان، مثل منطقة طريق المطار ومحيطها، حيث يعاني التخطيط من مشكلات واضحة رغم حداثة المنطقة.
هنا يبرز السؤال الأعمق: هل المثقف الذي يرتبط بعلاقة شخصية مع صاحب القرار يملك الحق في تحويل هذه العلاقة إلى مدح علني مكثف، أم أن دوره الأصيل هو الحفاظ على مسافة نقدية تسمح له بمدح الإيجابي دون أن يغفل عن التأخير والأولويات غير المتوازنة؟ إن علاقة مالك الشخصية بجعفر حسان قد تثري حواراته الخاصة، لكنها في العلن تفرض عليه حذراً أكبر، لأن قيمة المثقف الحقيقية تكمن في مساءلة السلطة بصدق، لا في تجميلها بلغة فلسفية.
مالك عثامنة يستحق الاحترام لعمق كتاباته وصدقها في كثير من المراحل، لكن هذا التحول النسبي نحو النظرة الإيجابية-الاستراتيجية يفتح باباً مهماً لنقاش حول استقلالية المثقف، وكيف يظل وفياً لرسالته النقدية حتى حين يرى في بعض القرارات منطقاً. أمجد محمود العواملة