جفرا نيوز -
كان للمساء في الماضي طعم لا يشبه أي مساء. لم يكن أحد يسأل: أين شبكة الإنترنت؟بل كان السؤال:أين جدي؟ وأين جدتي؟نجتمع حولهما، نتقاسم الشاي وننتظر أن تبدأ الحكاية التي تحمل بين سطورها درسا أو موقفا أو ضحكة لا تُنسى.
كان الجد يحكي كيف كانت الحياة بسيطة وكيف كان التعب يصنع الرجال وكانت الجدة تروي قصص الصبر والمحبة والكرم فنحفظها في قلوبنا قبل عقولنا. لم تكن تلك الجلسات مجرد أحاديث عابرة بل كانت مدرسة تُعلّمنا القيم، وتمنحنا هوية وانتماء لا يمكن لأي شاشة أن تعوضه.
أما اليوم فقد تبدلت المشاهد. ما زال الجد والجدة يجلسان في المكان نفسه لكننا لم نعد نلتف حولهما كما كنا. والأكثر ألمًا أن كبار العائلة أنفسهم أصبحوا أسرى هواتفهم تماما كما أصبح الصغار. يجلس الجميع في الغرفة نفسها لكن كل واحد يعيش في عالم مختلف يمر الوقت بصمت وتغيب الحكايات التي كانت تصنع أجمل الذكريات.
التكنولوجيا ليست عدوا فهي قرّبت البعيد وسهّلت كثيرًا من أمور حياتنا لكنها أصبحت مشكلة عندما سرقت منا دفء اللقاء وحوّلت العائلة من قلوب تتحاور إلى أصابع تتصفح الشاشات.
ربما لا نستطيع إعادة الزمن، لكننا نستطيع إعادة بعض عاداته الجميلة. ساعة واحدة في الأسبوع بلا هواتف نجلس فيها مع الجد والجدة نستمع إلى قصة أو نضحك على ذكرى أو نتبادل الحديث كما كان يفعل آباؤنا. قد تبدو ساعة عاديةلكنها قد تصبح أجمل ذكرى يحتفظ بها أبناؤنا في المستقبل.
فالذكريات لا تُصنع بالهواتف بل بالوجوه التي نراها، والقصص التي نسمعها والقلوب التي تجتمع حول مائدة الحديث. فلنحافظ على ما تبقى من تلك الجلسات الدافئة قبل أن تصبح هي أيضا مجرد حكاية تُروى.
استاذ مساعد - جامعه جدارا