جفرا نيوز -
بقلم: حامد النبابته " مستشار سابق لوزير الطاقه/ مستشار سابق لصندوق الاوبك"
يقف العالم العربي اليوم أمام لحظة تاريخية تفرض قراءة مختلفة لتحولات النظام الدولي، وفي قلب هذه اللحظة يمثل الأردن حالة مركزية تستحق أن تُقرأ بوصفها مدخلاً لفهم المعادلة بأكملها، لا مثالاً يُستدعى في هامشها. فالقوة لم تعد تُقاس بحجم القدرات العسكرية وحدها، بل بقدرة الدول على حماية مصالحها، وتأمين مواردها، والتحكم في شبكات الطاقة والتجارة والتكنولوجيا التي أصبحت اليوم أدوات النفوذ الحقيقية. وفي إقليم يعاد فيه رسم موازين القوى بفعل الحروب والعقوبات وإعادة تشكيل خطوط الطاقة العالمية، لم يعد الاستقرار ترفاً سياسياً، بل أصبح هو ذاته رأس المال الاستراتيجي الذي تُقاس به قدرة الدول على الفعل والتأثير — والأردن، الواقع على خط تماس مباشر مع أكثر بؤر التوتر اشتعالاً في العالم، يقدّم اليوم النموذج الأوضح لهذه المعادلة الجديدة.
والتحدي الحقيقي أمام العالم العربي ليس غياب عناصر القوة، بل تشتتها وغياب الإطار الذي يحوّلها إلى منظومة. فالجغرافيا العربية تقع في قلب أهم الممرات العالمية، والثروات السيادية تمثل قدرة مالية هائلة، والطاقة ركيزة من ركائز الاقتصاد العالمي، والإنسان العربي ثروة معرفية وبشرية لم تُستثمر بعد بالقدر الذي تستحقه. لكن القوة لا تُولد من الامتلاك، بل من التنظيم؛ وما ينقص المشهد العربي اليوم ليس الإمكانات، بل القدرة على تحويلها إلى مشروع سياسي جامع.
الأردن: من الاستقرار الساكن إلى الأصل الاستراتيجي الإقليمي
يمثل الاستقرار الأردني نموذجاً استثنائياً يستحق التوقف عنده مطولاً، لا بوصفه شأناً داخلياً محضاً، بل بوصفه أصلاً استراتيجياً إقليمياً بامتياز. فقد نجح الأردن عبر عقود في أن يظل جزيرة استقرار نسبي وسط محيط متقلب، وهذا الإنجاز، الذي قد يبدو للبعض أمراً معتاداً، هو في حقيقته أحد أندر الأصول التي يفتقر إليها الإقليم بأسره.
فحين تضطرب الجغرافيا من حولنا، يصبح الاستقرار ذاته أداة نفوذ لا تقل أهمية عن الثروة أو الموقع؛ فهو الذي يمنح الدولة القدرة على أن تكون شريكاً موثوقاً في الأزمات، ومركزاً آمناً للاستثمار والعبور، وصوتاً يُستمع إليه في صياغة الحلول بدل أن يكون طرفاً فيها. والحفاظ على هذا الاستقرار ليس مسؤولية القيادة السياسية وحدها، بل مسؤولية وطنية جماعية، لأن أي اهتزاز فيه لا ينعكس محلياً فحسب، بل يهدد بإرباك موازين إقليمية أوسع، ويحرم المنطقة بأسرها من أحد أهم نقاط الارتكاز المتبقية لها في زمن تتآكل فيه نقاط الارتكاز التقليدية واحدة تلو الأخرى.
من هنا فإن المحافظة على الاستقرار الوطني، بمكوناته الأمنية والاجتماعية والاقتصادية، ليست خياراً سياسياً بين خيارات، بل شرط وجودي لأي دور إقليمي طموح؛ فالدولة التي تفقد استقرارها الداخلي تفقد معه قدرتها على التأثير الخارجي، أياً كانت إمكاناتها الجغرافية أو الموارد المتاحة لها.
من الجغرافيا الساكنة إلى الوظيفة الاستراتيجية الفاعلة
المرحلة القادمة تستدعي انتقالاً في العقل الاستراتيجي قبل أن يكون انتقالاً في السياسات: من رد الفعل إلى المبادرة، ومن إدارة الأزمات إلى صناعة الاستقرار، ومن التعامل مع الموارد كعائد اقتصادي فحسب إلى توظيفها كأدوات للسيادة والتأثير. وهذا لا يعني الانخراط في تحالفات مغلقة أو الدخول في استقطابات دولية، بل بناء قدرة ذاتية قائمة على التعاون والمصالح المشتركة: أمن طاقي عربي متكامل، وممرات استراتيجية تربط القارات، واستثمارات سيادية موجهة للمستقبل، وشراكات دولية متوازنة، واقتصاد معرفي قائم على التكنولوجيا والابتكار.
وفي قلب هذه الرؤية، يبرز مفهوم الممرات السيادية بوصفه أحد أهم أدوات المستقبل؛ إذ يمكن للموقع الجغرافي أن يتحول من ميزة طبيعية ساكنة إلى مصدر نفوذ اقتصادي واستراتيجي فاعل، حين يُستخدم لربط مصادر الطاقة بالأسواق العالمية، وتحويل الإقليم إلى منصة تعاون واستقرار بدل أن يبقى مجرد نقطة عبور. والأردن، بموقعه الفريد بين ثلاث قارات وعلى مقربة من أهم الممرات المائية والبرية في العالم، يمثل اليوم مختبراً حياً لهذه الفكرة، وأوضح تجلياتها هو ممر العقبة السيادي: مشروع يعيد تعريف مدينة العقبة من نقطة عبور محلية إلى بديل إقليمي موثوق لممرات الطاقة التقليدية، عبر منظومة متكاملة من خطوط النفط والغاز، والكهرباء والهيدروجين الأخضر، والخدمات اللوجستية، والتكامل المالي الموحّد. وهذا التحول تحديداً هو ما يمنح فكرة 'الممر السيادي' معناها العملي: فهي ليست شعاراً، بل بنية تحتية وسياسة استثمار وإطار حوكمة يتحرك من الورق إلى الأرض.
وهذا التحول نفسه هو ما يفسر لماذا أصبح الحفاظ على الاستقرار الوطني اليوم قضية ذات بعد استراتيجي يتجاوز حدود الداخل؛ فكل استثمار سيادي، وكل شراكة طاقة، وكل ممر لوجستي يُبنى فوق أرض مستقرة، يصبح جزءاً من معادلة الأمن الإقليمي بأكمله، لا معادلة دولة واحدة.
السيادة كقدرة على القرار لا مجرد حماية للحدود
هذا النموذج، وإن بدأ من نقطة محلية، يحمل في جوهره فكرة أعمق: أن السيادة في عصرنا لا تعني فقط حماية الحدود، بل حماية القدرة على اتخاذ القرار في ظل ضغوط إقليمية ودولية متزايدة. وأن الدول التي تنجح في تحويل استقرارها وموقعها إلى وظيفة اقتصادية وسياسية عالمية، لا تكتفي بالبقاء على الخريطة، بل تصبح جزءاً فاعلاً في معادلة صنع القرار الدولي، بدل أن تظل موضوعاً تُتخذ القرارات بشأنه.
ولتحويل هذه الفكرة من رؤية فلسفية إلى منهجية عمل قابلة للتطبيق، لا بد من إطار يربط بين القراءة الجيوسياسية، والتحليل الاقتصادي والطاقي، وإدارة المخاطر، وبناء السيناريوهات، وهندسة البدائل، وصولاً إلى القرار السيادي ذاته — وهو ما يمكن تسميته بـ'الهرم الاستراتيجي لصناعة القرار'. فالاستقرار وحده لا يكفي إن لم يُترجم عبر منهجية قرار واضحة تحوّل كل تهديد إقليمي إلى فرصة مدروسة، وكل ميزة جغرافية إلى مشروع قائم. وهذا بالضبط ما يفرّق بين دولة تمتلك مقومات الاستقرار وتكتفي بحمايتها، ودولة تحوّل استقرارها إلى أداة قرار وتأثير فعلية في محيطها.
التاريخ لا يمنح الأمم فرصاً بصورة دائمة، بل يفتح نوافذ محددة تحتاج إلى رؤية وشجاعة في اتخاذ القرار. واللحظة الراهنة، بما تحمله من تصعيد إقليمي متسارع وإعادة تموضع حول ممرات الطاقة والملاحة الدولية، تمثل بالضبط واحدة من هذه النوافذ التاريخية النادرة. واليوم يمتلك الأردن فرصة حقيقية لإعادة تعريف دوره في النظام العالمي الجديد، ليس من خلال امتلاك الموارد فقط، بل من خلال حسن تنظيمها وتوظيفها، وفي مقدمة ذلك الحفاظ على الاستقرار الذي يجعل كل ذلك ممكناً أصلاً. والمطلوب ليس مستقبلاً مختلفاً في الشعارات، بل مؤسسات ومشاريع وشراكات قادرة على الاستمرار لعقود قادمة، وبيئة داخلية متماسكة تحميها من الاهتزاز.
خاتمة: ماذا يستطيع الأردن أن يبني، وكيف يحمي ما بناه؟
فالاستقرار لا يتحقق بإطفاء الأزمات، بل بمنع أسبابها من خلال التنمية والترابط والمصالح المشتركة؛ وهو، في المحصلة، السلاح الأكثر ندرة وفعالية الذي يملكه الأردن في مواجهة إقليم تتصارع فيه القوى الكبرى على النفوذ والموارد. والسؤال الذي يجب أن يشغل صانع القرار اليوم ليس: ماذا يملك الأردن؟ بل: ماذا يستطيع أن يبني بما يملك، وكيف يحمي ما بناه؟
ومن هنا، فإن المسؤولية المشتركة، الوطنية قبل أن تكون إقليمية، تكمن في الانتقال من مرحلة الإمكانات الكامنة إلى مرحلة الفعل الاستراتيجي؛ من انتظار المستقبل إلى المشاركة في صناعته، ومن حماية الاستقرار كغاية بحد ذاتها إلى توظيفه كأداة نفوذ تخدم الأردن والإقليم معاً. وهذه ليست دعوة أردنية منفردة، بل دعوة مفتوحة لبقية العالم العربي للمشاركة في صياغة هذا المسار، لا لمجرد متابعته.