د. هاني العدوان
ليس أخطر على الوطن من عدو يتسلل إلى البيوت من بوابة الأبناء، فيسرق العقول، ويغتال الأحلام، وينتزع الشباب من مقاعد الدراسة وميادين العمل، ليقذف بهم إلى الإدمان والجريمة والسجون والمقابر.
فتجار المخدرات لا يتاجرون بسموم محرمة فحسب، بل يقتاتون على دموع الأمهات، ويزرعون الحسرة في قلوب الآباء، ويحوّلون البيوت الآمنة إلى مواقد للخوف والقلق. إنهم يتركون خلفهم أسراً ممزقة، وأطفالاً يدفعون ثمن أخطاء لم يرتكبوها، وجرائم قتل تهز الضمير، وسجوناً تتكدس بأبناء الوطن، وموارد تُستنزف، وفرص استثمار تتبدد، فيما يدفع الأردن من أمنه واستقراره ومستقبل أجياله ثمناً باهظاً لجشع تجار السموم.
كم من أم ودّعت ابنها وهو يمضي نحو هاوية لا قرار لها؟ وكم من أب أفنى عمره في بناء أسرته، فإذا بفلذة كبده يتحول إلى أسير لجرعة مخدرات تسرق عقله وإرادته؟ وكم من أسرة تمزقت، وطفل فقد الأمان، وزوجة حملت وحدها أعباء حياة قاسية تحت وطأة الإدمان؟
لقد تجاوزت آثار هذه السموم حدود التعاطي، فامتدت إلى جرائم قتل مروعة، واعتداءات وحشية، وسرقات، وعنف أسري، وحوادث مرورية دامية. وقائع هزّت الرأي العام، وكان خلف كثير منها أشخاص فقدوا وعيهم وإنسانيتهم تحت تأثير المخدرات. شباب خرجوا من بيوتهم مشاريع نجاح، فانتهى بهم المطاف قتلة أو ضحايا أو نزلاء سجون.
ولا تكتفي هذه الجرائم بحصد الأرواح، بل تزعزع الإحساس بالأمان، وتسيء إلى صورة الأردن الذي ارتبط اسمه بالاستقرار وسيادة القانون. كما تلقي بظلال ثقيلة على الاقتصاد الوطني، فتضعف ثقة المستثمر، وتنفر السائح، وتحد من فرص النمو وخلق الوظائف، فيدفع المجتمع بأكمله ثمن جشع حفنة من تجار الموت.
أما السجون، فتتحمل عبئاً متفاقماً مع تزايد أعداد المتعاطين والمروجين، فيما تستنزف الدولة موارد مالية ضخمة لإيوائهم ورعايتهم وحراستهم وتأهيلهم. وهي أموال كان الأجدر أن تذهب إلى التعليم والصحة والتنمية وتحسين حياة المواطنين.
وهنا يبرز السؤال: أين رؤية الدولة في مواجهة هذه الآفة؟ وهل حقق قانون العقوبات الردع المنشود؟ وهل منع من امتهنوا هذه التجارة من العودة إليها؟ أم أن بعضهم خرج أكثر تنظيماً وخبرة، وأكثر قدرة على توسيع شبكاته الإجرامية؟
إن تاجر المخدرات، إضافة إلى كونه مخالفاً للقانون، يعد سبباً مباشراً في صناعة المأساة الوطنية. فهو يقتلع الشباب من مقاعد الدراسة، ويدفعهم إلى الإدمان والجريمة والسجون والمصحات، ويهدم استقرار الأسر، ويقوض أمن المجتمع، ويستنزف الاقتصاد الوطني. وضحاياه لا يُعدّون بالعشرات، بل بالمئات والآلاف.
ومن هنا، فإن اجتثاث هذه الآفة يقتضي اجتثاث منابعها ومصادرها، وتجفيف تمويلها، وملاحقة شبكاتها بلا تردد أو تراخٍ، وفرض أقصى العقوبات بحق كل من يتخذ من سموم الموت تجارة ومصدراً للثراء.
إن الإعدام بحق تجار المخدرات والمروجين يشكل، في نظر قطاع واسع من المجتمع، مطلباً وطنياً فرضته فداحة الخسائر التي يتكبدها الوطن وأبناؤه. فحين تتحول الجريمة إلى خطر يهدد أمن الوطن والمجتمع ومستقبل أجياله، يصبح الردع الحاسم واجباً تفرضه مسؤولية حماية الناس وصون الدولة.
وفي المقابل، لا تستطيع الدولة أن تخوض هذه المعركة منفردة. فالأسرة هي خط الدفاع الأول، والمدرسة والجامعة مصنع الوعي، والمساجد منابر للقيم، والإعلام شريك أساسي في كشف أساليب تجار السموم وفضح جرائمهم، فيما يتحمل المجتمع مسؤولية الإبلاغ وعدم التستر.
إن شباب الأردن هم الثروة الأغلى، وكل شاب يُنتشل من الإدمان هو عودة للحياة من جديد وإنقاذ لأسرة بأكملها، وكل شاب يسقط في هذا المستنقع يمثل خسارة وطنية موجعة لا تعوض.
لقد آن الأوان للتعامل مع المخدرات باعتبارها قضية أمن قومي تمس حاضر الوطن ومستقبله، وتستوجب قرارات شجاعة وإجراءات حاسمة توازي حجم الخطر.
حفظ الله الأردن، وحمى أبناءه من تجار السموم، وأعان الجميع على أداء واجبهم في الدفاع عن أغلى ما نملك: الإنسان الأردني.