بساط الفقير!
بشار جرار
يذكر كاتب هذه السطور -الفقير إلى الله- يذكر أجمل «نومة» وأحلى «غفوة» في العمر، وتعود أولاها إلى نصف قرن ونيّف!
كانت في الهواء الطلق، وقد التحفت فيها السماء. واحدة في بيت جدتي في طولكرم. وأخرى في بيت خالي في ركن الدين -جبل الأكراد- في دمشق. وثالثة، تكررت في الصيف أيضا، بين جبل الحسين في عمّان والسلط، في زَيّْ تحديدا.
الغفوة بعد المنسف والمسخّن والمقلوبة، تعدل البال وتصلح الحال أكثر، إن كانت على شرفة المنزل غير المغلقة أو الزجاجية «المقززة»، أو على سطح البيت غير المشوه بالأطباق «الصّاجيّة» اللاقطة! السماء ونجومها واحدة، وإن زادت ألَقا في بعض الفصول والأماكن. «النومة» في ظل تلك الظروف، لا يمكن تحقيقها مع شروط السلامة العامة سوى في فصل واحد، الصيف، وإن كان «بردُه كحدّ السيف». فالاحتياط واجب، بإبقاء ما يقي النائم في الهواء الطلق لسعات برد غير مأمونة الجانب، مهما اشتد القيْظ أو الحر اللاهب نهارا.
وقد علمنا الكبار، علمونا في تواضعهم ومعرفتهم النافعة ومحبتهم الصادقة، أن «الصيف بساط الفقير». و»جَمْعات» الصيف لا «جماعاته»، تجمع ولا تفرق، وتصير بمثابة مؤتمر شعبي عام، للعشيرة في الديرة والجوار، حيث روابط النسب والمصاهرة.
العبرة من تلك المقولة، أن الفرح في الصيف، في الحل والترحال، غير مكلف. قد يتنطّع مشاكس ويتسرع بمداهمة الفكرة بسيل جارف أو مشتِّت من لائحة أسعار وكلف السياحة الداخلية، والراحة والاستجمام في الصيف، من أسعار النقل والمحروقات والكهرباء، سيما الخاصة بالمراوح والمكيّفات، فضلا عن الإقامة في الفنادق ولو عدّت نجمتين لا خمسا! وكل ما سبق، مسائل فيها نظر، لكنها ليست نهاية المطاف، وما هي بقدر!
أذكر أيام الدراسة في الجامعة الأم، أم الجامعات الأردنية، تلك المنارة الرابضة على تلال الجبيهة في عمّان الحبيبة، كيف كنا نعرف زملاءنا القادمين من المحافظات البعيدة نسبيا، بارتفاع وتيرة مغادرة الحرم الجامعي في ساعات بعد ظهر آخر أيام الدراسة في الأسبوع. أذكر كيف كنا نتعرف على إخوتنا حتى بداية الفصل الدراسي، عند تسجيل المواد، وكيف كانوا يحرصون على اختيار مواد صباحية، لتمكنهم في ذلك اليوم، من مغادرة الجامعة بسياراتهم أو الباصات السياحية «المكندشة»، أو «الكوسترات» باتجاه المحافظات. رغم الكلف ومشقة السفر، كانت تلك الرحلة الأسبوعية فرض عيْن لا كِفاية! عشق أبناء المحافظات وارتباطهم ببيت الجد والجدة، ولقاءات الأعمام والأخوال خاصة في الصيف، كان «خطا أحمر». من أراد التحقق من ذلك معلوماتيا، من السهل الرجوع إلى كشوف «الفصل الصيفي» على مدار السنين، فتراها شبه خالية من أسماء الحريصين على جَمْعات الصيف، للأقارب والجيران، كونها من أيام العمر.
ليست وحدها بيوت جدودنا تفتح ذراعيها للغريب كما للقريب، لدينا مضافات العشائر الأردنية العربية الأصيلة، عِماد هذه البلاد المباركة. لدينا بيوت الله مساجد وكنائس. لدينا المدارس وبعض مرافق الجامعات العامة وحتى الخاصة. لدينا مساحات شاسعة من الأراضي الأميرية والواجهات العشائرية، إن تم حسن إعدادها بالعمل التطوعي، كما كان في مساق «خدمة المجتمع» أيام طيب الذكر، الأستاذ الدكتور سري ناصر، الذي كرّمه سيدنا قبل عامين بوسام ملكي في عيد الاستقلال، أقول إن تم تجهيزها بالعمل التطوعي والتبرع الخيري العيني والمالي، بإمكاننا تحقيق جملة من الأهداف السامية روحيا ووطنيا، بكل ما لها من عوائد تنعكس إيجابيا على أهم وأكبر شريحة في المجتمع، ألا وهي الشباب، صناع الحاضر والغد الواعد، بمشيئته سبحانه.
في السبعينيات نشطت في بريطانيا ومنها أوروبا ومن ثم أمريكا والعالم كله فكرة النُّزُل الشبابية، وتلك الأغنية «واي إم سي إيه» التي يرقص على أنغامها ترمب، كانت تخليدا لقيمها في خدمة الشباب، وتحفيزهم على السياحة والسفر دون القلق حول كلف الإقامة والمعيشة.
واثق أن كثيرا من القوى الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في المملكة، معنية بقطاع الشباب ومُساءَلة كذلك عن حاله، حاضره ومستقبله. وكل ذلك لا علاقة له بما يجري من حولنا في الإقليم، فليس عذرا أبدا، بل هو الحافز المساعد على «الاستدارة إلى الداخل»، والتركيز على شبابنا، في حسن إعداده وتحصينه من المخاطر والتحديات التي تتربص بنا جميعا. فمهما اختلفنا سياسيا، في كل بيت جد أو أب يفدي فلذة كبده بروحه. وتلك أمانة سنحاسب عليها جميعا أمام ربنا وضمائرنا. فتلك الطاقات الكامنة والواعدة في شبابنا بحاجة إلى التعظيم. بحاجة إلى الترشيد والتوظيف لا الهدر. والصيف بساط الفقير، فرصة بأيدينا جميعا. من واجبنا اغتنامها، والتخطيط وحسن الإعداد لها سنويا. بارك الله في الصيف وفي الفقير. كلنا فقراء إلى الله، وما الصيف إلا فصلا من الفصول وموسما من المواسم، يمر كما مر ما سبقه، بحلوه ومره، فيا سعد من اغتنموا الفرصة، وفازوا بالنعمة حامدين شاكرين.