اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
النسخة الكاملة

المجد للسيف ليس المجد للقلم

حين تتحول "جرة الحبر" إلى قيد!

الأحد-2026-05-31 08:50 am
تعبيرية مولدة بالذكاء الاصطناعي
جفرا نيوز -
بقلم : المحامي محمد ياسر العطار القيسي ،،،

في لحظة تأمل ومراجعة تاريخية، وقف شاعر العربية أبو الطيب المتنبي أمام واقع القوة الحاد، فجسد هذا الحوار الخالد مع أدوات كتابته؛ تملّكه شعور بأن الكلمة على روعتها تنهزم أمام حد السيف، فقال في ميميته الشهيرة : 

حَتَّى رَجعتُ وَأَقلامِي قَوَائِلُ لِي ... المَجْدُ لِلسَّيْفِ لَيْسَ المَجْدُ لِلْقَلَمِاكْتُبْ بِنَا أَبَداً بَعْدَ الكِتَابِ بِهِ ... فَإِنَّمَا نَحْنُ لِلأَسْيَافِ كَالخَدَمِ 

هذا الحوار الفلسفي الذي دار قبل قرون، نراه اليوم يتجسد في واقعنا المجتمعي بوجه مختلف؛ فالقلم الذي يحمله المواطن في جيبه، أو "القلم الرقمي" الكامن في شاشة هاتفه المحمول، لم يعد مجرد أداة للتعبير أو التوقيع العابر، 
بل تحول في كثير من الأحيان بسبب غياب الوعي القانوني إلى سيف مسلط على رقبة صاحبه، يهدد استقرار أسرته، وحريته، وقوته اليومي.

إن أخطر ما يواجهه المواطن اليوم في تعاملاته المالية هو "الاستخفاف بجرة الحبر ، 
فكم من عائلة تشتتت ، وكم من رب أسرة وجد نفسه خلف قضبان القضايا التنفيذية، فقط لأنه منح قلمه شرعية السيف فوق رأسه! 

ويظهر ذلك بوضوح في ظاهرتين تشغلان المحاكم والمجتمع:

أولاً: فخ التوقيع على بياض ، يندفع الكثير من المواطنين تحت ضغط الحاجة أو الرغبة في شراء مستلزمات بالتقسيط، إلى التوقيع على "كمبيالات على بياض" كضمانة للدائن، وهنا تكمن الطامة الكبرى. فالقانون يضع قواعد صارمة لحماية الاستقرار المالي لكنه يتطلب وعياً تاماً، والتوقيع على بياض هو تفويض مطلق للطرف الآخر. ورغم أن القضاء  مستنداً لمبادئه الراسخة ، 

يرسخ الطمأنينة وينصف المتضرر إذا أثبت المدين أن الحامل قد ملأ البيانات غشاً أو خلافاً للاتفاق المشترك وبمبالغ خيالية، مما يجعل القضاء الحصن المنيع لردع الجشعين، إلا أن الحذر والوعي يبقيان الأساس.

ثانياً: القلم الرقمي والمحافظ الإلكترونية في عصر التكنولوجيا، تطور مفهوم "التوقيع" فلم نعد بحاجة إلى حبر وورق، بل أصبح إدخال رمز التحقق لمرة واحدة (OTP) بمثابة توقيع قانوني كامل الأركان يلتزم به المواطن . ووفقاً لقانون المعاملات الإلكترونية الأردني الذي منح التوقيع الإلكتروني الحجية القانونية وإلزامية التواقيع الخطية ذاتها، فإن أي تهاون قد يؤدي إلى عواقب وخيمة. 

وتأكيداً على خطورة المشهد، تعاقب المادة (30) من ذات القانون بالحبس والغرامة كل من يرتكب أفعال التلاعب بالمعلومات، أو تقديم معلومات غير صحيحة لجهة التوثيق الإلكتروني بقصد إصدار الشهادة أو وقف سريانها
 أو إلغائها.

وفي مواجهة هذا الواقع الرقمي المتسارع، يبرز الدور الريادي واليقظ لأجهزة الدولة السيادية والتكنولوجية ، حيث يقف البنك المركزي الأردني ووحدة مكافحة الجرائم الإلكترونية بالمرصاد لكل ممارسات الاحتيال ، مستندين إلى أحكام ومبادئ قضاء محكمة التمييز الصارم ، 
 الذي يأخذ بالبينات الرقمية
 وتتبع العناوين الإلكترونية
 (IP Addresses) لإعادة الحقوق لأصحابها، مما يعكس حزم الدولة وقدرتها على حماية أموال الناس وفضائهم الرقمي.

إننا ومن باب المسؤولية الوطنية والاجتماعية، نطلقها صرخة وعي لكل مواطن : لا تمنح قلمك قوة السيف ليدمر حياتك، فالوعي القانوني هو درعك الحصين.

فلا توقع على ورقة لا تقرأ تفاصيلها.

ولا تبصم على التزام لم تحسب عواقبه.

ولا تفرط ببياناتك المالية عبر هاتفك لأي جهة غير مرخصة من البنك المركزي الأردني .
© جميع الحقوق محفوظة لوكالة جفرا نيوز 2024
تصميم و تطوير