جفرا نيوز -
المحامي حسام العجوري
لا أحد يدافع عن رمي النفايات في الشوارع، ولا أحد يختلف أن المحافظة على النظافة سلوك حضاري وأخلاقي ووطني. لكن المشكلة ليست هنا، بل في الطريقة التي اختارت بها جهة رسمية مخاطبة الناس. فحين تتحول وزارة يفترض أنها تمثل الدولة وهيبتها إلى منصة للعتب الحاد والتوبيخ الجماعي بعبارات مثل: "الشارع مش سلة زبالة” و "استحوا”، فنحن لا نكون أمام خطاب توعوي، بل أمام لغة انفعالية تمس كرامة المجتمع أكثر مما تعالج المشكلة.
من المخجل أن تخاطب مؤسسة حكومية شعبها بهذه اللهجة، وكأن المواطنين مجموعة من المتهمين أو الأطفال الذين يُصرخ في وجوههم. الدولة ليست شخصًا غاضبًا على وسائل التواصل، والوزارة ليست صفحة جدال إلكتروني، بل مؤسسة عامة يفترض أن تكون أكثر الناس التزامًا بالرقي والاتزان واحترام المواطن مهما كان الخطأ الذي ارتكبه.
الاحترام ليس مجاملة، بل أصل في الخطاب الرسمي. فالمواطن الذي تدعوه لتحمل المسؤولية لا يجوز أن يشعر أنك تحتقره أو تتحدث إليه من موقع التعالي الأخلاقي. لأن التوعية الحقيقية لا تُبنى بالإهانة، بل ببناء الشعور بالشراكة والانتماء.
كان بإمكان الوزارة أن توصل الرسالة نفسها بلغة حضارية مؤثرة، فتقول مثلًا:
"نظافة شوارعنا مسؤوليتنا جميعًا” أو: "معًا نحافظ على صورة بلدنا الجميلة بعد الاحتفالات”.
هذه لغة تبني وعيًا وانتماءً، لا لغة تستفز الناس وتدفعهم للجدل والغضب بدل التعاون.
ثم إن تحميل المواطن كامل المسؤولية فيه قدر من التهرب أيضًا. فأين التخطيط المسبق للاحتفالات؟ وأين حاويات النفايات الكافية؟ وأين خطط التنظيف السريعة؟ وأين الحملات المستمرة التي تزرع ثقافة النظافة بدل الاكتفاء بمنشور غاضب بعد وقوع المشكلة؟
الدولة القوية لا ترفع صوتها على شعبها، بل ترتقي بخطابها. وهيبة المؤسسات لا تظهر بالقسوة اللفظية، بل بالاتزان والاحترام والقدرة على التأثير دون إهانة.
نعم، رمي النفايات تصرف مرفوض. لكن الأشد خطورة أن يصبح الخطاب الرسمي نفسه فاقدًا للذوق المؤسسي والاحترام الواجب للمجتمع. فحين تخاطب الوزارة الناس بلغة قاسية ومتعالية، فهي لا تعالج أزمة نظافة فقط، بل تخلق أزمة ثقة أيضًا.
الشعوب تُربّى بالوعي والقانون والقدوة، لا بالتوبيخ العلني والإحراج الجماعي. والوزارة التي تريد من الناس أن يرتقوا بسلوكهم، عليها أولًا أن ترتقي هي بخطابها.