اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
النسخة الكاملة

جبهة اليمن والصمت الأمريكي

الأربعاء-2026-09-16 10:34 am
جفرا نيوز -
نسيم عنيزات

إن تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب بأن الحوثيين طلبوا منه عدم التدخل في الصراع الدائر في اليمن، بالتزامن مع سيطرتهم على باب المندب واستهداف المملكة العربية السعودية، تطرح احتمالًا واضحًا بأن الأميركيين كانوا على علم مسبق بما يجري، وهو ما عززه نائبه جيه دي فانس، الذي أشار إلى وجود تواصل مباشر مع الحوثيين.

وأمام الصمت الأميركي تجاه هذه التحولات المتسارعة على الساحة اليمنية، واتساع رقعة الصراع، تبرز مخاطر حقيقية تتجاوز حدود اليمن والمنطقة. فباب المندب ليس مجرد ممر مائي، وإنما شريان حيوي للتجارة العالمية وإمدادات الطاقة، وأي إغلاق له أو تهديد جدي لحركة الملاحة عبره من شأنه أن يربك الأسواق العالمية ويفاقم أزمات الطاقة، في وقت تعاني فيه المنطقة والعالم أصلًا من تداعيات أزمة مضيق هرمز.

وهنا يقودنا المشهد إلى تساؤل أساسي حول الهدف الأميركي الذي يختبئ خلف هذا الصمت، رغم التطمينات التي تقدمها واشنطن لدول المنطقة. فهذه التطمينات، مهما كانت، لا تبدو كافية ولا تمنح شعورًا حقيقيًا بالأمان، إذ لا أحد يستطيع، في زمن الحروب، أن يتوقع ما الذي قد يحدث بعد ساعات أو أيام، ولا كيف يمكن أن تتغير المعادلات في لحظة واحدة.

فالولايات المتحدة الأميركية، وبعد ما يقارب سبعة أشهر من حربها مع إيران، عجزت حتى الآن عن إنهائها بالطريقة التي تريدها ووفق الشروط التي سعت إلى فرضها، الأمر الذي قد يدفعها إلى إعادة خلط الأوراق وتوسيع دائرة الصراع وإدخال دول الجوار في الحرب، خصوصًا في ظل استنزاف كميات كبيرة من مخزوناتها العسكرية، فضلًا عن الكلفة المالية الباهظة التي تجاوزت 33 مليار دولار.

ومن هنا، فإن ما يجري على الجبهة اليمنية لا يمكن فصله عن المشهد الأوسع للحرب، ولا عن الحسابات الأميركية المرتبطة بها. ففتح جبهة جديدة أو السماح بتوسيع نطاق المواجهة قد يكون جزءًا من محاولة للضغط وإعادة توزيع أعباء الحرب ومخاطرها، بدلًا من تحملها منفردة.

وعلى الرغم من التطمينات الأميركية بأن باب المندب تحت السيطرة، وأنه يقع تحت المراقبة الأميركية الدقيقة، فإن ذلك لا يبدو كافيًا لدول المنطقة، لأن القضية لا تتعلق بمجرد الرصد والمراقبة، وإنما بما ستفعله الولايات المتحدة إذا تحولت التهديدات إلى واقع واستهدفت مصالح حلفائها.

ويبدو أن الأميركيين اعتمدوا في تطميناتهم على تفاهمات سابقة مع الحوثيين، تتضمن عدم التعرض للسفن الأميركية، وهو ما يعني، في المقابل، أن السفن الأخرى، وخصوصًا السعودية، قد لا تكون مشمولة بهذه التفاهمات. وقد أكدت الأحداث ذلك من خلال تعرض ناقلات سعودية لاستهدافات حوثية، الأمر الذي يكشف أن التهديد لا يزال قائمًا، وأن هذه التفاهمات، إن وجدت، لا توفر الحماية المطلوبة لبقية الأطراف.

ولذلك، فإن الولايات المتحدة تبدو حريصة على تجنب أي صدام عسكري مباشر أو فتح جبهة جديدة مع الحوثيين، وترك الأمر لدول المنطقة، رغم التحالفات القائمة والالتزامات الأميركية تجاه أمن المنطقة وحماية منشآتها وضمان استمرار تدفق النفط والطاقة.

وهنا تكمن المفارقة؛ فالدولة التي طالما قدمت نفسها باعتبارها الضامن الأساسي لأمن المنطقة واستقرارها، تبدو اليوم أكثر ميلًا إلى الابتعاد عن تحمل الكلفة المباشرة للصراعات، وترك دول المنطقة تواجه تداعياتها، بما فيها كلفة الحرب مع إيران.

ويبدو أن واشنطن تسعى إلى إدارة هذه الأزمات بدلًا من حسمها، وإعادة توزيع أعبائها على دول المنطقة، بما يسمح لها بتقليل خسائرها وتجنب الانخراط المباشر في جبهات جديدة، حتى لو كان ثمن ذلك زيادة المخاطر على حلفائها وشركائها.

وبذلك، تجد المنطقة نفسها أمام واقع أكثر تعقيدًا وخطورة، مع تعدد الجبهات وتشابكها، وتحول اليمن وباب المندب إلى ورقة ضغط جديدة في صراع أكبر من حدود المنطقة. وفي ظل هذه التطورات، يصبح مستقبل المنطقة مفتوحًا على احتمالات عدة، خصوصًا مع استمرار الحرب وتغير موازين القوى وقواعد الاشتباك.

إن أخطر ما في المشهد ليس فقط اتساع رقعة الحرب، وإنما غياب الرؤية الواضحة لما بعد ذلك. فإدخال المنطقة في مزيد من الجبهات، وترك كل طرف يتحمل كلفة الصراع منفردًا، قد يقود إلى نتائج لا يمكن التحكم بها.

© جميع الحقوق محفوظة لوكالة جفرا نيوز 2024
تصميم و تطوير