اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
النسخة الكاملة

حين يصبح الذكاء الاصطناعي ناطقًا باسم الحكومة

الثلاثاء-2026-09-15 11:46 am
جفرا نيوز -
كتب - غيث أبو فخيدة 

في خطوة تبدو للوهلة الأولى مواكبة للتحول الرقمي، قد تتجه وزارة الاتصال الحكومي إلى توظيف الذكاء الاصطناعي من خلال إنشاء شخصية رقمية تتحدث باسم الحكومة، وتنقل للمواطنين تصريحات الوزارات والهيئات والمؤسسات الرسمية وقراراتها.

الفكرة بحد ذاتها ليست المشكلة.

المشكلة تبدأ عندما تصبح هذه الشخصية مصدرًا يثق به المواطن باعتباره صوتًا رسميًا للدولة.

ومن موقعي كإعلامي ومختص في الإعلام الرقمي وتقنيات الذكاء الاصطناعي، أرى أن هذه الخطوة تحتاج إلى نقاش أعمق بكثير من الحديث عن التطور التكنولوجي أو جمال التجربة.

لأن السؤال الذي يجب أن يسبق إطلاقها هو:
كيف سيتأكد المواطن أن ما يراه ويسمعه صادر فعلًا عن الحكومة؟

اليوم، وبالأدوات المتاحة، أصبح بإمكان أي شخص يمتلك المعرفة التقنية إنتاج صوت وصورة لشخصية رقمية وإعادة تركيب تصريحات تبدو حقيقية بدرجة قد يصعب على المواطن العادي اكتشافها.

وإذا كانت الشخصية مرتبطة في وعي الناس بالحكومة، فإن الخطر لا يعود مجرد «فيديو مزيف».
قد يصبح لدينا تصريح حكومي مزيف، بوجه حكومي وصوت حكومي ورسالة تبدو حكومية.

وهنا نحن أمام مشكلة خطيرة في صميم الإعلام والاتصال الحكومي: المصدر.

نحن كإعلاميين نقضي وقتًا وجهدًا في مكافحة الشائعات، والتحقق من الأخبار، وتصحيح المعلومات المغلوطة، ونقول للمواطن باستمرار: تحقق من المصدر قبل أن تصدق أو تنشر.

فهل من المنطقي، في المقابل، أن نُنشئ شخصية رقمية يمكن تقليدها وإعادة إنتاج تصريحاتها، من دون أن تكون هناك منظومة تحقق واضحة تجعل المواطن قادرًا على معرفة الحقيقي من المزيف؟
نحن نحاول حصر الشائعة، بينما يجب ألا نخلق — من دون قصد — بيئة تجعل الشائعة أكثر إقناعًا.

المسألة هنا ليست ضد الذكاء الاصطناعي، وليست رفضًا للتطور.

بل على العكس؛ أنا من أكثر المؤيدين لاستخدام الذكاء الاصطناعي في تطوير الإعلام والاتصال الحكومي.

لكن استخدام هذه التكنولوجيا في الحديث باسم الدولة يختلف تمامًا عن استخدامها في تصميم منشور أو إنتاج محتوى توعوي.
عندما تقول شخصية رقمية: «الحكومة قررت»، فإن المواطن لا يتعامل معها كمحتوى تكنولوجي؛ بل يتعامل معها باعتبارها معلومة رسمية قد يبني عليها قرارًا حقيقيًا.

ولهذا، فإن المسؤولية لا تتوقف عند إنشاء الشخصية.

قبل إطلاقها، يجب أن تكون هناك منظومة واضحة تضمن توثيق كل تصريح، وإثبات مصدره، وتمييز المحتوى الرسمي الأصلي عن أي محتوى مولّد أو مزيف، مع وجود مرجع رسمي وحيد يستطيع المواطن العودة إليه للتحقق.
لأن الحساب الرسمي وحده قد لا يكون كافيًا.
الفيديو يمكن نسخه.
والصوت يمكن تقليده.
والصورة يمكن إعادة إنتاجها.
والتصريح يمكن اجتزاؤه وإعادة نشره خارج سياقه.

لكن ثقة المواطن إذا اهتزت، فإن استعادتها أصعب بكثير من إنتاج أي فيديو بالذكاء الاصطناعي.
لذلك، فإنني أعتقد أن على وزارة الاتصال الحكومي أن تطرح سؤالًا مختلفًا قبل أن تسأل: كيف ننفذ الفكرة؟

السؤال هو:
كيف نحمي المواطن من تصديق شيء لم تقله الحكومة أصلًا؟
التطور الحقيقي ليس أن نجعل الحكومة تتحدث بالذكاء الاصطناعي.

التطور الحقيقي أن نضمن أن المواطن يستطيع، في عصر الذكاء الاصطناعي، أن يعرف أين تنتهي الحقيقة وأين يبدأ التزييف.
وهذه ليست مسألة تقنية فقط.

إنها مسؤولية إعلامية ووطنية.
© جميع الحقوق محفوظة لوكالة جفرا نيوز 2024
تصميم و تطوير