جفرا نيوز -
محمود خطاطبة
بريطانيا اكتشفت أخيراً أن بضائع الاحتلال الإسرائيلي لا ينبغي أن تكون سلعاً على أرفف متاجرها؛ وتشرب حليب السباع، معلنة حظر استيراد السلع المنتجة في المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة.. لكنها ما تزال «حملاً وديعاً» وجبانة فيما يخص الاحتلال نفسه، وأولئك الذين يصنعون قرارات القتل والاستيطان والتهجير.
وزير خارجية الدولة «العظمى»، إد ميليباند، يقول «إن البريطانيين لا يريدون أن تتحول متاجرهم إلى وسيلة لدعم الاحتلال عبر بيع منتجات المستوطنات»؛ ويضيف «يبدو أنها» جرائم حرب ارتكبت في قطاع غزة.
«يبدو»؛ هذه كلمة تدل على أن بريطانيا ومسؤوليها لا يزالون يمارسون المراوغة المعهودة؛ فهم يتصرفون كأسياد للسياسة العالمية، فعندما يتعلق الأمر بالصهيونية، تتوارى كلماتهم خجلاً، وتصل إلى حد الجبن في قول الحق.. أما إذا تعلق الأمر بدولة عربية أو إسلامية، يتحولون إلى أسود تزأر بلا خجل، واصفين قادتها بالإرهابيين أو المارقين أو المتلاعبين بالمعايير الإنسانية والمواثيق الدولية التي صاغوها بأنفسهم ليطبقوها على من يشاؤون، كما حدث مع العراق بالضبط.
تصريحات المسؤولين البريطانيين، مهما بدت قوية، تفتح باباً لسؤال مفاده: لماذا يصبح القانون الدولي صارماً عندما يكون الخصم دولة عربية، ومرناً عندما يتعلق الأمر بدولة الاحتلال الإسرائيلي؟.. أم أن بريطانيا، التي ارتبط اسمها تاريخياً بوعد بلفور، وفتح الطريق أمام إقامة «وطن قومي لليهود» في فلسطين، تريد أن تكفر عن إرثها التاريخي.
العرب ولا سيما العراقيون يعرفون الإجابة من تجربة مريرة؛ ففي تسعينيات القرن الماضي، فرضت على العراق عقوبات شاملة ألحقت أضراراً هائلة بالاقتصاد والمجتمع، وطالت آثارها الغذاء والدواء والتعليم والخدمات الأساسية، ودفع المدنيون ثمناً باهظاً لسياسات حكومتهم.. كان المنطق الغربي آنذاك أن القيادة العراقية مسؤولة، وأن الضغط الاقتصادي على الدولة هو وسيلة لإجبارها على تغيير سلوكها.
أما في حالة الحكومة الإسرائيلية، المسؤولة عن سياسات الاحتلال والاستيطان والعمليات العسكرية، فإن الدول الغربية نفسها تتحدث بشكل حذر وتشير على استحياء إلى احتمالية وجود «انتهاكات وجرائم حرب».. لماذا لا نرى مستوى مماثلاً من الضغط على الدولة والمسؤولين عنها؟ هل أصبح المدني العراقي ورقة ضغط مشروعة، بينما أصبح المدني الإسرائيلي خطاً أحمر لا يجوز الاقتراب منه؟.
وهنا تبرز مسألة «الكيل بمكيالين»؛ فإذا كان منطق العقوبات في الحالة العراقية قد قام على تحميل الشعب تبعات أفعال قيادته، فلماذا لا يطبق المبدأ نفسه على «إسرائيل»؟، وإذا كانت الحكومات الغربية قادرة على فرض إجراءات قاسية عندما يتعلق الأمر بدولة عربية، فلماذا تتراجع حدود العقوبة عندما يتعلق الأمر بـ»إسرائيل»؟.
بمعنى آخر، عندما تعلق الأمر بالعراق، كان الغرب يجعل العقوبات سيفاً مسلطاً على شعب بأكمله، ويصدح بأعلى صوته «أن الشعب لا يمكن فصله عن نظامه في حسابات الضغط والعقاب»، أما حين يتعلق الأمر بـ»إسرائيل»، فيبدو أن سيوف الغرب كلها تتحول بكل عنجهية إلى همسة دبلوماسية خجولة، ويفصلون ما بين الشعب والقيادة في دولة الاحتلال.
المشكلة هنا ليست في قرار حظر منتجات المستوطنات؛ بل في محدوديته؛ فالمنتج الاستيطاني ليس هو المشكلة بذاته، وإنما هو نتيجة لسياسة أوسع: احتلال، ومصادرة أراض، وتوسيع مستوطنات، وتهجير فلسطينيين، وانتهاكات، وفرض أمر واقع يراد له أن يتحول مع مرور الزمن إلى «حقيقة» لا يمكن تغييرها.
بريطانيا، بالتحديد، لا تستطيع أن تتعامل مع القضية وكأنها اكتشفتها بالأمس؛ فالتاريخ البريطاني في فلسطين يجعل مسؤوليتها السياسية والأخلاقية أكبر، لا أصغر.. ومن هنا تبدو محاولة الاكتفاء بمقاطعة منتجات المستوطنات وكأنها تصحيح جزئي لخطأ تاريخي هائل، لا معالجة لجذر المشكلة، أو بمعنى ثان لذر الرماد في العيون.
نعم، يتوجب الترحيب بأي خطوة تضغط على الاستيطان، لكن لا ينبغي تضخيمها.. فإذا كانت بريطانيا تؤمن بأن المستوطنات غير قانونية، وأن الاحتلال غير قانوني، وإذا كانت تدعو إلى المساءلة عن الانتهاكات، فإن الاختبار الحقيقي ليس في ما تمنعه من رفوف متاجرها، بل في ما تستطيع أن تفعله لوقف السياسات التي جعلت تلك المستوطنات ممكنة أصلاً.
لقد حان الوقت لأن يتوقف الغرب عن مطالبة الفلسطينيين بالصبر، بينما يمنح دولة الاحتلال الوقت لتغيير الجغرافيا والوقائع.. المطلوب إخضاع «إسرائيل» كسائر الدول، للمعيار نفسه؛ وإلا فإن حظر منتجات المستوطنات لن يكون أكثر من خطوة تجميلية على وجه احتلال كامل.