جفرا نيوز -
محمد أبو رمان
فاجأ برنامج «نبض البلد» مشاهديه باستضافة «فرح»، الناطق الرقمي باسم الحكومة الأردنية، إذ بدت المقابلة، للوهلة الأولى، وكأنها مع ضيفة حقيقية؛ تتحدث وتجيب، وتتحرك ملامح وجهها وشفاهها بانسجام لافت مع الصوت، بالضرورة، «فرح» ليست شخصية حقيقية، بل مولّدة بالكامل بتقنيات الذكاء الاصطناعي، لكن نقلها من مقاطع قصيرة على وسائل التواصل الاجتماعي إلى فضاء المقابلة التلفزيونية منح التجربة بعداً مختلفاً، وأثار فضولاً واسعاً حول ما يمكن أن تفعله هذه التكنولوجيا في مجال الاتصال الحكومي.
الفكرة، في تقديري، ذكية وتستحق الاهتمام؛ ليس لأنها تستخدم الذكاء الاصطناعي، فذلك لم يعد جديداً بحد ذاته، بل لأنها تعكس شعوراً رسمياً بأن هنالك حاجة لتعزيز الاتصال الحكومي، لذلك قدمت الحكومة «فرح» أساساً لتبسيط القرارات والسياسات والمعلومات، مع نسخة باللغة الإنجليزية وإمكانية التوسع لاحقاً إلى لغات أخرى.
ليست «فرح» الأولى عالمياً. أطلقت أوكرانيا في 2024 «فيكتوريا شي» ممثلة رقمية للخارجية في الشؤون القنصلية، وذهبت ألبانيا أبعد مع «دييلا» التي بدأت مساعدة رقمية للخدمات الحكومية ثم منحها رئيس الوزراء إيدي راما صفة «وزيرة دولة للذكاء الاصطناعي». وتوجد تجارب أخرى، من الصين إلى دول شمال أوروبا، تتوسع في توظيف الذكاء الاصطناعي في الخدمات العامة والتفاعل مع المواطنين.
لطالما كانت هذه إحدى المعضلات المزمنة للحكومات الأردنية، ويبدو أن رئيس الوزراء، جعفر حسان، أدرك أن جزءاً مهماً من العمل الحكومي لا يأخذ حقه إعلامياً، وهو، إلى درجة كبيرة، محق في ذلك، فهنالك مشروعات استراتيجية ضخمة، مثل الناقل الوطني للمياه وسكة حديد ميناء العقبة، ومشروعات أخرى في البنية التحتية والاستثمار، يفترض أن تكون عناوين كبرى في النقاش العام، لكن الرواية الحكومية حولها لا تصل دائماً بالقوة نفسها التي تتصورها الحكومة.
تقول الأرقام شيئاً قريباً من ذلك، ونموذج على ذلك التقارير الرقمية المتتالية التي نشرها معهد السياسة والمجتمع خلال الفترة الماضية، وآخرها قبل أيام تقريراً لوحدة الاستماع الرقمي، أعدته الباحثة رند عزم، تابع النقاش الأردني حول ستة مشروعات كبرى خلال الفترة من كانون الثاني إلى نهاية آب، وأظهر إشكالية حقيقية في جسور التواصل بين الحكومة والشارع. فبالرغم من أنّ سكة حديد ميناء العقبة تصدّرت النقاش بنحو 146.8 ألف تفاعل، إلاّ أن جانباً مهماً من النقاش انجرف بعيداً عن القيمة الاقتصادية واللوجستية للمشروع باتجاه قضية استملاك أراضي المواطنين والتعويضات، أما الناقل الوطني، وهو من أكبر المشروعات الاستراتيجية الأردنية، فلم يرصد التقرير حوله سوى نحو 7.8 ألف نقاش رقمي؛ وكانت 32.3 % من المضامين سلبية، مقابل 18.8 % إيجابية، ووصل الأمر في مشروع الأمونيا الخضراء إلى 126 منشوراً فقط، وكأنّه مجهول الهوية والأهمية تماماً لدى الرأي العام الاردني.
الأزمة الحقيقية للحكومة، وربما لكثير من حكومات العالم اليوم أنّ وسائل التواصل الاجتماعي باتت اليوم جزءاً أساسياً من المجال العام، وفيها تتشكل الانطباعات والصور والمواقف، لا في مجال النقد والمعارضة فقط، بل الإشاعة والسخرية والمعلومة المبتورة، وفوق ذلك كله خوارزميات تميل بطبيعتها إلى مكافأة المحتوى الأكثر إثارة، فمن هذه الزاوية تحديداً تبدو «فرح» حلاَ مبتكراً؛ ووسيلة جديدة للوصول إلى الجمهور، بخاصة الأجيال الشابة، وتقديم المعلومة الحكومية بصورة مختلفة، لكن التجربة، كما ظهر أيضاً من نقاش «نبض البلد»، ما تزال في بداياتها وتحتاج إلى تطوير، بينما يبقى المحتوى الذي تقدمه خاضعاً للمراجعة والتدقيق البشري.
في المقابل من الضروري بمكان إدراك أنّ تحسين «جهاز الإرسال» لا يحل وحده معضلة الاتصال الحكومي، فالسؤال ليس فقط: كيف تصل الحكومة إلى المواطنين؟ بل أيضاً: كيف يصل المواطنون إلى الحكومة؟ هذه هي الحلقة التي تستحق، برأيي، اهتماماً موازياً لفكرة «فرح، المطلوب بناء أجهزة استقبال أكثر قوة، وحلقات تغذية راجعة (Feedback Loops) تلتقط ما يقوله الناس فعلاً؛ فالاستماع الرقمي هنا لا يقل أهمية عن الاتصال الرقمي، لأنه يسمح للحكومة بأن تعدّل خطابها، وأحياناً سياساتها، بناءً على ردود الفعل لا أن تكتفي بقياس وصول الرسالة. فليس المهم فقط أن تتكلم «فرح»؛ المهم أن تسمع «فرح»!.