جفرا نيوز -
بقلم عبدالرحمن الامعري
روحي العقيلي.. من الشابسوغ وجبل القلعة إلى سوق الذهب، حكاية مكانٍ سكن ذاكرة عمّان لأكثر من قرن
في عمّان القديمة، كانت بعض الأماكن أكبر من وظيفتها، فتحولت مع الزمن إلى صفحات حيّة من ذاكرة المدينة. ومن بينها مطعم روحي العقيلي في الشابسوغ، الذي ارتبط بصباحات العاصمة ووجوه أهلها، وبمائدة جمعت الموظف والتاجر والرياضي ورجل الدولة وأبناء الحي.
تعود جذور المطعم، وفق ما تتناقله الذاكرة المحلية والروايات الصحفية، إلى بدايات القرن الماضي، حين أسس الحاج محمد العقيلي المطعم، قبل أن ينتقل إلى الشابسوغ في ستينيات القرن العشرين، ليصبح أحد أشهر عناوين الفطور الشعبي في عمّان.
وترتبط قصة المطعم بتاريخ عائلة العقيلي؛ إذ تشير الروايات العائلية المتداولة إلى أن جذور الأسرة تمتد إلى الحجاز قبل أن تستقر في عمّان. كما تحتفظ الذاكرة العائلية بروايات تشير إلى أن أحد أجداد الحاج روحي العقيلي كان من مرافقي الملك المؤسس عبدالله الأول ابن الحسين في مرحلة مبكرة من تاريخ الدولة الأردنية، وهي رواية بقيت متداولة داخل الأسرة جيلاً بعد جيل.
وكان الشابسوغ وجبل القلعة مجتمعًا متكاملاً تتجاور فيه البيوت والمحال والأسواق، وتعيش فيه عائلات ارتبط اسمها بتاريخ المنطقة، من بينها الأمعري، والترك، والمدفعي، والمغاربة، والخير، والقيسية، والمعايطة، والفار، والشابسوغ، وأبو الراغب، والبلبيسي، وأبو قورة، وقشلان، وهموس، وغيرها من العائلات التي شكلت نسيج الحي الاجتماعي والاقتصادي.
وفي هذا المشهد كان العقيلي نقطة التقاء لعدد من أبناء عمّان وشخصياتها، ومن بينهم الباشا مصطفى القيسي، وسعيد خير، وصبحي جبري رحمهم الله. كما ارتبط المطعم بذاكرة تجار وسط البلد وتجار الذهب، الذين اعتاد بعضهم بدء يومه بفطور العقيلي قبل التوجه إلى السوق.
وحول المطعم كانت تفاصيل الحياة اليومية تتحرك منذ الصباح الباكر؛ فإلى جواره كان أبو مازن وماجد الكوى يديران محل الكوي المعروف، فيما كان مخبز حمو للطابون جزءًا من المشهد، حتى بقيت العبارة الشعبية حاضرة في الذاكرة: «لا تكتمل لقمة العقيلي إلا بخبز من مخبز حمو الطابون».
أما المائدة، فكانت تقوم على أطباق اشتهر بها المكان، وفي مقدمتها الفول الحلبي والبدوة والحمص والمسبحة والفتة، وهي أطباق ارتبطت بذاكرة أجيال من أبناء العاصمة.
وكانت ذاكرة المكان تمتد إلى الحياة التجارية في وسط البلد، ومن الأسماء التي ارتبطت بهذه الذاكرة التاجر الشهير منكو، إلى جانب أسماء تجارية وشخصيات أخرى عرفت المنطقة ومطاعمها وأسواقها عن قرب.
ولم يكن العقيلي بعيدًا عن الحياة الرياضية والوطنية؛ فقد ارتاده عدد من نجوم الكرة الأردنية ورواد النادي الفيصلي، ومن بينهم محمد عوض، خالد عوض، مظهر السعيد، محمد اليماني، إبراهيم مصطفى، صبحي سليمان، عدنان الترك، عيسى الترك، أحمد خليل، البسيوني، زياد أبو شنب، باسم مراد، وإبراهيم الفاعوري، إلى جانب عزت حمزة، وبهجت شهاب، وأبو سعد، والإعلامي محمد قدري حسن، رحم الله من رحل منهم وأطال الله في عمر من بقي.
وتحمل ذاكرة العقيلي كذلك رواية لافتة عن الطيار موفق السلطي، الذي كان يعزم على مائدة العقيلي عددًا من أبرز رجالات الأردن، ومن بينهم وصفي التل، وهزاع المجالي، وحابس المجالي، رحمهم الله جميعًا. وهي صورة تختصر كيف كانت موائد عمّان القديمة تجمع بين أهل السياسة والجيش والرياضة والتجارة في مكان واحد، بعيدًا عن الرسميات.
كما ارتبط المكان بأسماء أخرى من رجالات الأردن، من بينهم حمادة الفراعنة وخليل عطية عبد الرحيم البقاعي ، فيما تتناقل الذاكرة أن الراحل عبد الحميد شومان كان يحب الفول الحلبي والبدوة، ويطلب إحضار فطوره من العقيلي أثناء وجوده في البنك العربي بوسط البلد.
وتوثقت بعض تفاصيل هذه الذاكرة الشعبية أيضًا من خلال ظهور الحاج روحي العقيلي في برنامج «يسعد صباحك» عام 1996، حين تحدث عن تاريخ المطعم ومسيرته الطويلة.
اليوم، تغيرت عمّان واتسعت شوارعها وتبدلت ملامح أحيائها، لكن أسماء مثل العقيلي لا تزال قادرة على إعادة المدينة إلى صورتها القديمة؛ إلى الشابسوغ وجبل القلعة وسوق الذهب، وإلى العائلات التي صنعت نسيج المكان، وإلى الصباحات التي كانت تبدأ برائحة الطابون والفول والحمص.
روحي العقيلي لم يكن مجرد مطعم؛ كان ملتقى لعمّان وأهلها، ومشهدًا صغيرًا اختصر مدينة كاملة: عائلاتها، وتجارها، ورياضييها، ورجال دولتها، وذاكرتها الشعبية.
ولهذا، حين يُذكر العقيلي، لا يعود الحديث عن طبق على مائدة فحسب، بل عن زمنٍ كانت فيه المائدة تجمع الناس، وكان الفجر يفتح أبواب المدينة على الحكاية.
هكذا بقي روحي العقيلي... مطعم ذاكرة يبدأ مع الفجر؛ ذاكرة لا تسكن المكان وحده، بل تسكن قلوب من عرفوا عمّان حين كانت أبسط، وأقرب، وأكثر دفئًا.