جفرا نيوز -
الكاتب والباحث: د.محمود سمور
عضو الهيئة العامة لاتحاد الكتاب والادباء الاردنيين وعضو المجلس المركزي لحزب العمال .
مقدمة
كيف تتغيرمختبرات الأحياء الدقيقة في الصناعات الدوائية في عصرالذكاء الاصطناعي ؟ وهل نحن فعلاً في بداية عصرالمختبرالذكي والذكاء الاصطناعي ؟
الحقيقة أن مختبرات الأحياء الدقيقة الدوائية تعمل كما اعتدنا لعقود طويلة على الأساليب التقليدية حيث ينتظر الفنيون والمحللون أيامًا للنتائج حتى تظهرمستعمرات البكتيريا على أطباق الزراعة لمشاهدة النتائج.
وفي العصرالحديث سوف تدخل هذه المختبرات مرحلة جديدة تمامًا حيث الآلات والاجهزة الذكية والاتمتة الروبوتيىة بدأت تتسلل للمختبروالاختبارات السريعة والفحوصات البديلة تمنحنا نتائج في ساعات قليلة. والذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد فكرة أوبحث جامعي بل أصبح واقعًا يتحدث عنه المتخصصون في الجمعيات والمنظمات الصناعية التنظيمية ومنها اتحاد الادوية الوريدية التي تنشروتصدرالتقاريرالفنية مثال تلك التقاريرالفنية ذات الرقم
).PDA Technical Report No. 33(
لتؤكد أهمية في هذا المجال إذ يتناول تقييم واعتماد وتطبيق الطرق الميكروبيولوجية البديلة والسريعة في الصناعات الدوائية والتقنيات الحيوية ويتضمن فصلًا مخصصًا لدورالذكاء الاصطناعي في الاختبارات الميكروبيولوجية.
من انتظارالمستعمرات وظهورالنموالميكروبي إلى سرعة القرار
وداعًا لزمن ننتظرفيه حتى نرى النمو لفترة طويلة حيث يوجد أسلوب واحد للكشف عن الكائنات الدقيقة وهو الزراعة للعينات ثم الحضانة في اجهزة الحواضن ثم المراقبة لظهور مستعمرات الجراثيم ثم العد وكتابة نتيجة الزراعة و ربما هذه الطرق لن تنقرض بسرعة ولكنها لم تعد تملك السيادة والتقنيات السريعة في حين ظهرت اليوم بقوة نتائج أسرع وقرارات أفضل لجودة الدواء وإدارة أدق للعملية الإنتاجية والموضوع ليس مجرد استبدال طبق زراعة وطرق تقليدية بجهاز إلكتروني جديد بل إنها فلسفة مختلفة تكمن بأن يكون هدفك اليوم أن تكتشف الخطرمبكرًا لا بعد وقوعه.
الذكاء الاصطناعي في المختبر: صارحقيقة
المثيرالآن أن الذكاء الاصطناعي دخل الصورة بقوة لذلك فأن الكمبيوترلم يعد يجلس متفرجًا وقد صار يلتهم قواعد بيانات ضخمة من المراقبة البيئية ويقرأ أنماط النتائج ويلاحظ العلاقات التي غالبًا ما تغيب عن عين الإنسان وأصبحت القرارات تعتمد في جزء كبيرمنها على تحليل البيانات الضخمة هذه.
لكن هل الذكاء الاصطناعي سيقود المختبروحده؟ الإجابة واضحة: طبعا لا فأن الذكاء الاصطناعي محلل بارع يعرف أن يقرأ الأرقام ويربط النتائج لكنه يفتقد الحس البشري والخبرة ولا يقدروحده أن يفسرمصدرالتلوث أويقييم خطورته أو حتى يضع احتماليات حول ما سيحدث لاحقاً دون عين خبيرة.
إذن لن يكون مختبرًا بلا محللين وموظفين تحليل بل مختبرإنسان وآلة معاً.
سؤال الثقافة القديم: هل النتيجة السلبية( عدم وجود التلوث ) تعني أننا بخير؟
هذه واحدة من أهم الأسئلة التي يجب أن يتوقف عندها العاملون في الصناعة الدوائية
وإن الحصول على نتيجة ميكروبيولوجية مقبولة لا يعني بالضرورة أن العملية أصبحت خالية من المخاطر فالمراقبة والاختبارات تمثل جزءًا من منظومة أكبرللسيطرة على التلوث.
ولهذا ركزت فلسفة وبأعتبارالتلوث خطرًا يجب التحكم فيه من خلال منظومة متكاملة استراتيجية مراقبة استراتيجية مراقبة التلوث على مراقبة تصميم المنشأة والمعدات والعمليات والتنظيف والتعقيم والعاملين والمواد والمياه والمراقبة البيئية والتحقيقات وتحليل الاتجاهات وهذه الفلسفة اصبحت منهجا يسمي باللغة الانكليزية
).Contamination Control Strategy – CCS (
تأكيد متطلبات أن الاختبارات والمراقبة وحدها لا توفرضمانًا كافيًا للبيئة النظيفة العقيمة والمعقمة وأن استراتيجية السيطرة على التلوث يجب أن تجمع مختلف وسائل التحكم والمراقبة ضمن منظومة متكاملة وهذا النهج ما يصدره الاتحاد الاوروبي لتعليمات ممارسة التصنيع الجيد في ملحق لرقم .1 المذكورة باللغة الانكليزية
).EU GMP Annex 1 (
والخلاصة من ذكرمنهج استراتيجية مراقبة التلوث في هذه الفقرة انما لنبين بان ضبط منظمومة المراقبة يجب ان يتدخل بها العنصرالبشري الذي يدير مختبرات الاحياء الدقيقة في الصناعات الدوائية ولا ضرر من وجود اي نظام ألي او مبرمج بالذكاء الاصطناعي يساعد استراتيجية مراقبة التلوث الموصى بها من قبل الجمعيات والمنظمات الصناعية التنظيمية .
العامل البشري لم يخرج من المشهد
الذكاء الاصطناعي وكل التكنولوجيا القوية لم تقلل أهمية الإنسان ومازالت الطريقة التي يتحرك بها العامل داخل المناطق النظيفة وكيفية ارتداء ملابسه وتعامله مع المواد والمعدات من أبرزعوامل التحكم في التلوث. والتكنولوجيا تطالبنا اليوم بتركيزأكبرعلى بناء الإنسان وتدريبه وتحديث مهاراته حتى مع كل هذه الأنظمة الذكية.
مياه التصنيع: المخاطرمختبئة في كل زواية
ولا يمكن الحديث عن الميكروبيولوجي في الصناعات الدوائية الحديثة وتطوره حتى بوجود الذكاء الاصطناعي دون الحديث عن المياه.
فأنظمة المياه المستخدمة في الصناعات الدوائية تمثل منظومة حية ومعقدة من الأنابيب والخزانات والفلاتر ونقاط الاستخدام, ويمكن أن تصبح هذه المياه بأنظمتها بيئة مناسبة لتكوين الأغشية الحيوية البيوفلم اومصدر ببكتيريا السودوموناس التي تسمى الزائفة الزنجارية أوغيرها من الكائنات الدقيقة ثم البحث عن مصدرالمشكلة إذا لم تتم السيطرة عليها بصورة صحيحة.
وهنا يمكن أن تصبح المراقبة الذكية وتحليل الاتجاهات أدوات مهمة في اكتشاف التغيرات غيرالطبيعية في النتائج قبل أن تتحول إلى مشكلة أكبرالتي لا يستثنى منها التحري والتحقق الذي يدره العنصرالبشري مع استخدام الذكاء الاصطناعي.
من المراقبة إلى الذكاء الميكروبيولوجي
المستقبل قد يتجاوزفكرة "مراقبة بيئية” ببساطه لذلك فأنه حان الوقت لنظام يدمج بيانات المراقبة التقليدية ونتائج المياه والعد الحيوي وتنظيف الغرف وبيانات الأفراد وسجل الانحرافات…الخ ليُحلل المشهد الكامل مثل لوحة فسيفساء ضخمة ويستنتج اتجاهاً أوخطراً قبل أن يراه الإنسان وهكذا يولد مفهوم جديد اسمه "الذكاء الميكروبيولوجي للمصنع فيها بيانات لا تسمعها فقط بل تفهم مغزاها وتتصرف قبل وقوع الأزمة.
هل ستنقرض الوظائف التقليدية؟
التكنولوجيا ستغيّربعض الأدوارحتمًا فالأعمال اليدوية البحتة مثل العد الميكروبي وقرأة النموأوالإدخال اليدوي للبيانات ستقل ولكن في المقابل من يجمع بين علم الكائنات الدقيقة وخبرة وفهم تحليل البيانات وتقييم المخاطرواستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي سيجد نفسه لاعباً أساسياً في الصناعة الجديدة ومن يطورنفسه سيبقى.
الميكروبيولوجي: من عالم تقليدي إلى خبيررقمي
الميكروبيولوجي الذي كان يسأل: هل يوجد نمو؟ اليوم أصبح يسأل: لماذا ظهرت هذه النتيجة؟ هل هي بداية مشكلة؟ ما احتمال تكرارها؟ ومع الذكاء الاصطناعي صاريسأل: ما الذي تقوله لي البيانات عن خطرلم يظهر بعد؟
الآلة لا تلغي الإنسان
نعم دخول الذكاء الاصطناعي للمختبريثيرالقلق عند البعض ولكنه في نفس الوقت فرصة هائلة لتطويرالمهنة والذكاء الاصطناعي قوي في التحليل ولكنه لا يتخذ القرارولا يجري التحقيقات الميدانية فهودائماً يحتاج من يملك الخبرة والحدس والفهم الحقيقي للواقع لهذا فأنه يجب على الإنسان والآلة العمل معاً لا استبدال أحدهما بالآخر.
مرحلة جديدة للصناعة الدوائية
يشدد اتحاد الادوية الوريدية باصدارالتقاريرالفنية بأن تتغييرهذه الصناعة وبان يكون هناك وجود أنظمة أوتوماتيكية أكثروان تكون المراقبة أسرع حتى على هذه التحولات ويطالب بتقييم مستمروشفاف للطرق الجديدة والتحدي ليس فقط أن نشتري جهازًا أغلى أوأحدث بل أن نبني عقلية بشرية تفهم التكنولوجيا وتوظفها بأفضل طريقة.
الخلاصة
طبق الآغاروالوسط الزراعي للميكروبات والطرق التقليدية للكشف عن الميكروبات والتلوث لن تختفي غداً والعد اليدوي للمستعمرات أيضاً سيستمرلبعض الوقت ولكن واقع مختبرات الميكروبيولوجي الدوائي تغيرواصبح يركض نحوعصرالبيانات والتحليل والتوقعات لا الى الانتظاروالسؤال. إذن هل: سيحل الذكاء الاصطناعي محل الإنسان؟ بل: هل مستعد الميكروبيولوجي ليعيش ويعمل في هذا العصرالجديد؟
يجب ان يكون هناك في المستقبل جمع ودمج بين الإنسان والآلة والاتمتة الروبوتية ومن سيدمج خبرته العلمية والكفاءة التقنية والذكاء الاصطناعي في منظومة واحدة وهومن يضمن جودة الدواء وسلامة المريض والأهم من هذا يحافظ على قيمة العمل البشري في عصرلا ينتظرأحد فيه بطيئًا أومتفرجًا.