اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
النسخة الكاملة

من القرار إلى الميدان.. رئاسة الوزراء تصنع فارق الإنجاز

السبت-2026-08-29 02:05 pm
جفرا نيوز -
خاص 

في الدولة الحديثة، لا تكفي القرارات لصناعة الإنجاز؛ فالقرار، مهما كان قوياً، يبقى حبراً إذا لم يجد من يلاحقه في تفاصيل التنفيذ، ومن هنا، في نظرتي، تبدأ أهمية مديريات رئاسة الوزراء؛ فهي ليست مكاتب لمتابعة الكتب والتقارير، ولا محطة بيروقراطية إضافية بين الوزارة والقرار، وإنما إحدى أهم أدوات الحكومة في تحويل القرار إلى عمل والهدف إلى نتيجة.

أهمية هذه المديريات أنها ترى المشهد من الأعلى، بينما تعمل الوزارات والمؤسسات في تفاصيله، ولذلك تستطيع أن تلتقط ما قد لا تراه الجهة المنفذة وهي غارقة في يومياتها، أين تعثر المشروع؟ أين توقفت المعاملة؟ أين تشابكت الصلاحيات؟ وأي جهة تملك مفتاح الحل؟ هنا تصبح المتابعة تشخيصاً، والتشخيص توجيهاً، والتوجيه إنجازاً.

وأكثر ما يلفتني في هذا الدور هو أن رئاسة الوزراء لا تحتاج دائماً إلى أن تنفذ بنفسها؛ يكفي أحياناً أن تضع المؤسسات أمام مسؤولياتها، وتجمع الأطراف حول الطاولة، وتحدد نقطة الاختناق، ثم تدفع باتجاه الحل، فكثير من الملفات لا ينقصها القرار، وإنما ينقصها تنسيق القرار بين أكثر من جهة.

ولهذا تأتي اللجان المتخصصة كأداة بالغة الأهمية، لأنها تستطيع أن تنزل إلى عمق المشكلة بعيداً عن العموميات، فاللجنة الناجحة ليست التي تكتب محضراً جديداً، بل التي تخرج من اجتماعها وقد عرفت .. من يفعل؟ ماذا يفعل؟ متى يفعل؟ وما الذي سيحدث إذا لم يُنفذ؟ عندها فقط تتحول اللجنة من إطار إداري إلى أداة تفكيك للعقبات وصناعة للحلول.

وهنا لا أرى في تدخل رئاسة الوزراء في تفاصيل الملفات انتقاصاً من دور الوزارات، بل العكس تماماً؛ هو دعم لها عندما تواجه عقدة تتجاوز حدود اختصاصها. فالوزير قد يعرف المشكلة، والمؤسسة قد تعرف الحل، لكنهما قد يحتاجان إلى جهة تجمعهما وتحسم التداخل بينهما، وهذه إحدى أهم وظائف مركز القرار الحكومي.

والأهم أن المتابعة الحديثة يجب ألا تنتظر وقوع المشكلة، الإدارة التي نحتاجها اليوم هي التي تقرأ المؤشرات قبل التعثر، وتلتقط التأخير قبل أن يتحول إلى أزمة، وتعرف أن مشروعاً ما بدأ يفقد سرعته قبل أن يتوقف، لذلك فإن قيمة مديريات الرئاسة لا تقاس بعدد الملفات التي تتابعها، وإنما بعدد الملفات التي منعت تعثرها، وسرّعت تنفيذها، وأزالت العقبات من طريقها.

ومن زاويتي، فإن هذا الدور يصبح أكثر أهمية في مرحلة التحديث التي يعيشها الأردن، لأن التحديث لا ينجح بالخطط وحدها، بل يحتاج إلى جهاز حكومي قادر على المتابعة الصارمة، والتنسيق الفاعل، وربط المسؤولية بالنتيجة، فالمرحلة لم تعد تحتمل أن يكون الإنجاز رهناً بسرعة المؤسسة وحدها، بل تحتاج إلى منظومة حكومية تتحرك بإيقاع واحد.

ولهذا أعتقد أن  رئاسة الوزراء يجب أن تُقرأ باعتبارها غرفة متابعة للدولة، تراقب حركة الملفات، تربط المؤسسات، تكشف مواطن الخلل، وتدفع باتجاه القرار عندما يتطلب الأمر قراراً، وباتجاه التنسيق عندما تكون المشكلة تنسيقاً، وباتجاه المساءلة عندما يصبح التأخير تقصيراً .. فالفرق كبير بين حكومة تسأل: «ماذا أنجزتم؟» وحكومة تسأل: ماذا يمنعكم من الإنجاز؟ الأولى تراقب النتائج، أما الثانية فتتدخل في أسبابها.

وفي النهاية، فإن نجاح أي حكومة لا يُقاس بحجم ما يصدر عنها من قرارات، وإنما بحجم ما يتحول من قرارات إلى واقع، وما بين القرار والواقع مساحة مليئة بالتفاصيل والعقبات والتداخلات؛ وهناك تحديداً تكمن قيمة مديريات رئاسة الوزراء .. إنها ليست عيناً تراقب الوزارات من بعيد؛ بل يدٌ تنظيمية تدفعها إلى الأمام، وعقلٌ مركزي يرى المشهد كاملاً عندما تضيق زاوية الرؤية داخل المؤسسة.

وهكذا تصبح المتابعة أكثر من وظيفة إدارية؛ تصبح ثقافة دولة.. لا تترك مشروعاً يتعثر دون أن تبحث عن سبب تعثره، ولا تسمح لعقبة إدارية أن تتحول إلى عذر، ولا تقبل أن يبقى القرار معلقاً بين المكاتب، فالحكومة التي تعرف كيف تتابع، تعرف كيف تنجز؛ والحكومة التي تنجز، هي التي تجعل قرارها محسوساً في حياة المواطن.
© جميع الحقوق محفوظة لوكالة جفرا نيوز 2024
تصميم و تطوير