اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
النسخة الكاملة

النبابته لـ"جفرا": الأردن مطالب بالاستعداد لـ "النبضة الكهرومغناطيسية"

الأحد-2026-08-23 02:17 pm
جفرا نيوز -
اياد العدوان

في وقت لم تعد فيه الحرب الحديثة تُقاس فقط بمساحة الأرض أو بعدد الصواريخ المُطلقة، بات المعيار الحقيقي لخطورة النزاعات يكمن في قدرة الدول على الحفاظ على استمرارية منظوماتها الحيوية. وفي عالم شديد الترابط، قد يكفي اضطراب محدود في نقطة جغرافية واحدة لإعادة تشكيل أسعار الطاقة، وإرباك الملاحة، ورفع كلف التأمين، وتهديد سلاسل الإمداد.

وحول هذه المخاطر والسيناريوهات المتوقعة حذر خبير الطاقة المهندس حامد النبابته، المستشار السابق لوزير الطاقة والثروة المعدنية والمستشار السابق في صندوق الأوبك للتنمية الدولية، من أن الحرب الحديثة باتت تستهدف البنية التحتية والوظائف الحيوية للدول في ظل الترابط الوثيق بين الكهرباء، المياه، الاتصالات، والنقل.

وأكد النبابته لـ " جفرا نيوز" أن الحرب الحديثة لم تعد بحاجة بالضرورة إلى استهداف المنشآت واحدة تلو الأخرى؛ إذ إن تعطل أحد مكونات البنية التحتية المترابطة يؤدي فوراً إلى انتقال التأثير إلى قطاعات أخرى، فالطاقة لم تعد مجرد سلعة تنتقل من المنتج إلى المستهلك، بل أصبحت منظومة متكاملة تعتمد على الموانئ، الناقلات، التأمين، المصافي، خطوط الأنابيب، والكهرباء والاتصالات.

وأوضح أن الغاز يحتاج بدوره إلى بنية متكاملة للنقل والمعالجة والتخزين، بينما تعتمد الكهرباء على الوقود وشبكات النقل وأنظمة التحكم الرقمية. وبيّن أن تعطل حلقة واحدة في هذه السلسلة ينعكس مباشرة على النقل والصناعة والغذاء والأسعار والتضخم والنمو الاقتصادي.

وشدد النبابته على أن المرونة أصبحت اليوم أهم من مجرد الكفاية؛ موضحاً أن الدولة قد تمتلك قدرة توليد كهربائية كبيرة، لكنها تصبح عاجزة إذا لم يتوفر الوقود، وقد يتوفر الوقود بينما تتعطل الشبكة، وقد تبقى الشبكة قائمة لكنها تفقد قدرتها على التحكم والتشغيل إذا تعطلت الاتصالات. ولفت إلى أن السؤال الأهم بالنسبة للدول لم يعد مقدار ما تمتلكه من كهرباء أو وقود، بل: "كم من الوقت تستطيع الاستمرار إذا تعطلت إحدى حلقات المنظومة؟"

النبضة الكهرومغناطيسية.. خطر يستحق الدراسة

وأشار النبابته إلى أن سيناريو "النبضة الكهرومغناطيسية عالية الارتفاع (HEMP)" الناتجة عن انفجار نووي على ارتفاعات عالية يمثل أحد السيناريوهات التي تستحق أن تدخل ضمن حسابات حماية البنية التحتية الحيوية في الأردن. وحرص على التأكيد بأن طرح هذا السيناريو لا يعني التهويل أو التنبؤ بوقوعه، وإنما التعامل معه باعتباره أحد المخاطر التي تستوجب الدراسة العلمية والاستعداد الاحترازي.

وعن طبيعة هذا الخطر، أوضح أن التفجير النووي على ارتفاعات عالية يمكن أن يولد تأثيرات كهرومغناطيسية تمتد إلى مساحات واسعة، وتؤثر في المعدات الكهربائية والإلكترونية بحسب شدة الحدث ومستوى الحماية. وشدد على ضرورة تناول الموضوع بعيداً عن التهويل، موضحاً أن وقوعه لا يعني بالضرورة انهيار الشبكة بالكامل، حيث تعتمد الأضرار على عوامل تقنية متعددة.

وبيّن أن مصدر القلق الحقيقي يكمن في التأثيرات المتسلسلة؛ فالإمكانيات الطبية والمستشفيات تحتاج إلى الكهرباء، ومحطات المياه والاتصالات تعتمد عليها، والمطارات والبنوك ومراكز البيانات ترتبط بهذه المنظومة الرقمية. وفي المقابل، تحتاج شبكة الكهرباء نفسها إلى الاتصالات وأنظمة المراقبة، ما يعني أن تعطل مكون حيوي قد يتحول من انقطاع كهربائي إلى أزمة متعددة القطاعات.

تعطل الوظائف الحيوية والأبحاث الأميركية

وأوضح النبابته أن التعبير الأدق ليس أن "الدولة تنطفئ" بصورة فورية، وإنما مجموعة من الوظائف الحيوية قد تتعرض للتعطل أو التراجع في الوقت نفسه، ما يؤثر على استمرارية الخدمات الأساسية وإعادة تشغيل المرافق. وأكد أن التخطيط يجب ألا ينطلق من سؤال "كيف نحمي كل جهاز؟"، بل من سؤال: "كيف نضمن استمرار الوظائف الحيوية للدولة حتى إذا فقدنا بعض مكونات المنظومة؟"

ولفت إلى أن الولايات المتحدة تتعامل منذ سنوات مع مخاطر النبضات الكهرومغناطيسية كقضية تستحق البحث وتقييم الحماية، عبر برامج حكومية وفنية تتناول مكونات النبضة (E1 وE2 وE3) وطرق تعزيز قدرة الشبكات على الصمود والاستعادة. وأكد أن أهمية هذه الدراسات للأردن لا تكمن في استنساخ التجربة الأميركية، بل في طرح سؤال حول مستوى جاهزية المنظومات الوطنية.

كما شدد على ضرورة التمييز بين المعرفة التقنية المعلنة وبين ربط هذه السيناريوهات بتهديد سياسي أو عسكري محدد دون أدلة موثوقة، مؤكداً أن الاستعداد للمخاطر لا يتطلب معرفة الجهة المتسببة أو توقيت حدوثها.

ممرات الطاقة الجغرافية والتفاضل الفني

وفيما يتعلق بالتخطيط لممرات الطاقة الإقليمية، أوضح النبابته أن هناك فارقاً جوهرياً بين خط أنابيب الغاز وخط نقل الكهرباء بالجهد العالي:

خطوط الغاز: تُنقل كطاقة كامنة قابلة للتخزين الجزئي مِمّا يمتص الصدمات القصيرة، وتكون أبطأ في التعافي لكنها أكثر قابلية للاحتواء الموضعي. وتبلغ كلفة إنشائها نحو 3 ملايين دولار لكيلومتر الأنابيب المكافئ، مع حاجتها لتحويل لاحق بكلفة وفقد إضافيين.

خطوط نقل الكهرباء: تُنقل كطاقة لحظية تتطلب توازناً بين التوليد والحمل، وتكون أسرع في الإصلاح الميداني لكنها أكثر عرضة للانتشار الشبكي المتتابع. وتتراوح كلفة إنشائها بين 1.5 و4 ملايين دولار لكيلومتر النقل عالي الجهد بحسب التضاريس، وتصل جاهزة للاستخدام مباشرة.

وأكد أن الخيار الاستراتيجي الأمثل يكمن في إنشاء ممر متعدد الحوامل يجمع الغاز والكهرباء معاً بحيث لا يؤدي تعطل أحد المسارات إلى توقف المنظومة بأكملها.

موقع الأردن والمسارات الستة لتعزيز المرونة

وعن الوضع الوطني، وضع النبابته الأردن في قلب هذه المعادلة نظراً لموقعه الجغرافي وسط منطقة توترات، مشيراً إلى أن الموقع يتحول إلى مصدر قوة إذا امتلك الأردن بنية تحتية أكثر مرونة، ومصادر طاقة متنوعة، وتخزيناً أكبر، وطاقة متجددة موزعة، وخطوط ربط متعددة.

وطرح النبابته مجموعة من الأولويات التي تشكل أساساً لبرنامج وطني لتعزيز المرونة:

1- إجراء تقييم شامل للترابط بين الكهرباء، المياه، الاتصالات، الوقود، النقل، الصحة، والغذاء.

2- تحديد الأصول الحرجة وترتيبها حسب درجة الأهمية لتقديم حماية هندسية موجهة.

3- رفع قدرة المنشآت الأساسية على العمل بصورة مستقلة جزئياً وتوفير التخزين ومصادر الطاقة الاحتياطية.

4- إعداد سجل وطني للمعدات الحرجة ذات فترات التوريد الطويلة (كالمحولات الكبيرة) وتأمين ترتيبات توريد مسبقة.

5 - وضع خطط وطنية لإعادة تشغيل الشبكة (Black Start) واختبارها دورياً مع توفير اتصالات بديلة.

6- تعزيز التعاون الإقليمي في مجالات الإنذار المبكر والمخزونات وخطط الطوارئ.

وفي نهاية حديثه؛ أكد النبابتة على أن الاستثمار في المرونة وتطبيق مبدأ Resilience by Design هو استثمار يعود بالنفع على الاقتصاد في الظروف الطبيعية ويحميه أوقات الأزمات. وأضاف: "لا نحتاج إلى أن نعرف متى تأتي الأزمة، ولا من أين تأتي، ولا من يقف وراءها. المطلوب أن نبني دولة لا تتوقف عندما تأتي الأزمة"، مؤكداً أن الاستعداد ليس اعترافاً بوقوع الخطر، بل تأكيد على جاهزية الدولة إذا وقع.

وكانت وزارة الصحة الأمريكية قد نشرت عبر موقعها Radiation Emergency Medical Management (REMM) حول الموضوع، مشيرة الى ان النبضة الكهرومغناطيسية عقب التفجير النووي قد تعطل الكهرباء والاتصالات لمسافات واسعة.

وأفاد التقرير منشور على موقع التابع لوزارة الصحة والخدمات الإنسانية الأميركية الذي قامت " جفرا نيوز" بترجمته، بأن النبضة الكهرومغناطيسية (EMP) الناتجة عن التفجير النووي يمكن أن تؤدي إلى تعطيل أو إتلاف الأجهزة الإلكترونية وشبكات الاتصالات والكهرباء، مشيراً إلى أن المعلومات الواردة في التقرير مقتبسة ومعدلة عن دليل التخطيط للاستجابة لتفجير نووي الصادر عن الوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ الأميركية (FEMA) عام 2022.

وأوضح التقرير أن النبضة الكهرومغناطيسية هي اندفاع شديد من الإشعاع الكهرومغناطيسي ذي الطول الموجي الطويل، يحدث في لحظة التفجير النووي وينتهي خلال ثوانٍ.

وأشار إلى أن التفجيرات النووية التي تقع على ارتفاعات عالية، تزيد على 5 كيلومترات فوق سطح الأرض، يمكن أن تولد نبضة كهرومغناطيسية تمتد على مساحة واسعة، وربما بحجم ولاية نبراسكا الأميركية أو أكبر، بما قد يؤدي إلى إتلاف أو تعطيل الأجهزة الإلكترونية غير المحمية.

أما التفجيرات النووية منخفضة الارتفاع، التي تقع على ارتفاع أقل من 5 كيلومترات، فتنتج ما يعرف بـ"النبضة الكهرومغناطيسية في منطقة المصدر"، وهي مجال كهربائي شديد القوة وقصير المدة، تنخفض شدته سريعاً كلما ابتعد عن موقع التفجير.

وبحسب التقرير، يمكن لهذه النبضة التأثير في المعدات الإلكترونية من خلال توليد جهد كهربائي داخل الأسلاك والمواد الموصلة، إضافة إلى إحداث ارتفاعات كبيرة في الجهد والتيار داخل خطوط الكهرباء الطويلة وغيرها من الموصلات القريبة من موقع التفجير.

ورغم عدم وجود توافق كامل بين الخبراء بشأن حجم التأثير المتوقع، يشير التقرير إلى أن أشد آثار النبضة الكهرومغناطيسية الناتجة عن تفجير نووي بقوة 10 كيلوطن على مستوى سطح الأرض لن تمتد عموماً إلى أكثر من نحو ميلين إلى خمسة أميال، أي ما يعادل نحو 3.2 إلى 8 كيلومترات من موقع التفجير.

ولفت إلى أن آثار الانفجار المادية، مثل موجة الانفجار والتدمير المباشر للبنية التحتية، ستكون في المناطق القريبة من موقع التفجير أكثر تأثيراً من النبضة الكهرومغناطيسية نفسها.

لا خطر صحي مباشر

وأكد التقرير أن النبضة الكهرومغناطيسية المرتبطة بالتفجير النووي، لا تشكل خطراً صحياً مباشراً على الإنسان، إلا أن المعدات والأجهزة الطبية قد تتأثر بها، ما يخلق مخاطر غير مباشرة على خدمات الرعاية الصحية.

كما يمكن للمجالات الكهربائية والمغناطيسية الشديدة أن تلحق أضراراً بالأجهزة الإلكترونية غير المحمية على نطاق واسع، بما في ذلك أبراج الاتصالات، ومفاتيح الاتصالات، وأطباق الاتصالات، وأنظمة الرادار، وأجهزة الكمبيوتر، والمعدات الطبية الأساسية، ومحطات الوقود، ومكونات أنظمة المياه والكهرباء.

وأضاف التقرير أن التأثيرات المحتملة قد تشمل أيضاً تعطل بعض المركبات نتيجة تأثر أنظمتها الإلكترونية، فضلاً عن تضرر أو توقف مكونات التحكم الإلكترونية في شبكات المياه والكهرباء.

الهواتف قد تبقى تعمل.. لكن الاتصالات قد تتوقف

وبشأن الهواتف المحمولة وأجهزة الراديو المحمولة، أوضح التقرير أنها تمتلك هوائيات صغيرة نسبياً، وقد لا تتأثر بالنبضة إذا لم تكن متصلة بمصدر كهربائي وقت حدوثها، إلا أن قدرتها على الاتصال ستبقى مرتبطة بسلامة البنية التحتية لشبكات الاتصالات، بما في ذلك الأبراج وأجهزة إعادة الإرسال.

وحذر التقرير من أن التفجير النووي قد يؤدي إلى انقطاع وسائل الاتصال المعتادة، الأمر الذي قد يعقّد قدرة السلطات على إيصال تعليمات الطوارئ إلى السكان، بما في ذلك تعليمات الاحتماء داخل المباني والإعلان عن انتهاء فترة الخطر.

ولهذا السبب، أوصى مخططو الاستجابة للطوارئ بأخذ احتمال تعطل الاتصالات في الاعتبار، مشيراً إلى أهمية وسائل الاتصال الجماهيري وأجهزة الراديو التي تعمل بالبطاريات في مثل هذه الظروف.

تداعيات قد تمتد لمئات الأميال

وبيّن التقرير أن المناطق الواقعة على بعد أكثر من خمسة أميال تقريباً من موقع تفجير نووي بقوة 10 كيلوطن قد تتأثر بالانفجار والنبضة الكهرومغناطيسية بدرجة محدودة نسبياً، شريطة ألا تكون ضمن مسار مستويات خطرة من التساقط الإشعاعي.

إلا أن التقرير حذر من احتمال حدوث تأثيرات متسلسلة على طول خطوط نقل الكهرباء في المناطق المحيطة، بما قد يؤدي إلى انقطاعات في الكهرباء والهاتف والإنترنت، مشيراً إلى أن هذه التداعيات المتسلسلة يمكن أن تمتد إلى مئات الأميال من موقع التفجير.

وفي المقابل، قد يكون تأثير النبضة الكهرومغناطيسية محدوداً على الأجهزة الإلكترونية الموجودة خارج مناطق أضرار الانفجار، وقد يقتصر الأمر في بعض الحالات على إعادة تشغيل المفاتيح وقواطع الدوائر الكهربائية.


© جميع الحقوق محفوظة لوكالة جفرا نيوز 2024
تصميم و تطوير