إياد العدوان
أعاد التوضيح الصادر عن نقابة المحامين النظاميين بشأن الكتاب المتداول حول السماح لأبناء الأردنيات بالانتساب إلى النقابة والالتحاق بمعهد تدريب المحامين رسم حدود جديدة؛ لفهم القرار الذي أثار أمس جدلاً قانونيًا واسعًا كون قد تم فتح باب الانتساب أمام أبناء الأردنيات.
وكان كتاب صادر عن النقابة تحت الرقم 1/1/6184 بتاريخ 30/7/2026، وموجه إلى "من يهمه الأمر"، قد تضمن أن النقابة "تسمح لأبناء الأردنيات بالانتساب لنقابة المحامين النظاميين والالتحاق بمعهد تدريب المحامين المتدربين بعد تجاوز الامتحان التحريري (القبول) المخصص لهذه الغاية".
هذه الصياغة فتحت باب التساؤلات حول مدى انسجامها مع قانون نقابة المحامين، ولا سيما المادة 8 التي تضع شروطًا لتسجيل المحامين، من بينها التمتع بالجنسية الأردنية للمدة المحددة قانونًا، والتي لا تقل عن عشر سنوات وفق النص الذي تستند إليه النقابة.
إلا أن التوضيح الذي صدر لاحقاً عن نقيب المحامين يحيى سالم أبو عبود، والذي جاء تحت عنوان بيان حقيقة ما يجري تداوله حول قبول طلبات انتساب أبناء الأردنيات، لم يتضمن تراجعًا عن أصل ما قامت به النقابة، وإنما ذهب إلى تفسير وتقييد مضمون الكتاب الأول، وتحديد الأساس القانوني الذي تقول النقابة إنها استندت إليه في التعامل مع هذه الطلبات.
وبحسب التوضيح، فإن مجلس النقابة هو صاحب الصلاحية في النظر بطلبات التسجيل، استناداً إلى أحكام المادة 93 من قانون نقابة المحامين رقم 11 لسنة 1972، والتي تنص على أن اختصاص مجلس النقابة يشمل كل ما يتعلق بمهنة المحاماة، وعلى الأخص "النظر في طلبات تسجيل المحامين واتخاذ القرارات بقبولها أو رفضها".
وهذه النقطة تعد من أبرز ما أضافه التوضيح إلى النقاش السابق، إذ تؤكد النقابة أن المجلس لا يتعامل مع طلبات الانتساب باعتبارها إجراءً آلياً بمجرد تقديم الطلب أو اجتياز الامتحان، وإنما باعتبارها من المسائل التي تدخل صراحة ضمن اختصاصه القانوني، وله صلاحية اتخاذ القرار بقبول الطلب أو رفضه وفقاً لأحكام القانون والأنظمة ذات الصلة.
أما فيما يتعلق بشرط الجنسية، فقد فرّق بيان النقابة بين القاعدة العامة التي أوردتها المادة 8 من قانون النقابة وبين الحالة التي تنظمها المادة 9.
فالمادة 8، بحسب ما أوردته النقابة، تشترط في من يطلب تسجيله في سجل المحامين أن يكون متمتعاً بالجنسية الأردنية منذ عشر سنوات على الأقل، ما لم يكن طالب التسجيل متمتعاً بجنسية إحدى الدول العربية قبل حصوله على الجنسية الأردنية، وفي هذه الحالة لا يجوز أن تقل مدة تمتعه بالجنسيتين معاً عن عشر سنوات.
وهذا النص، وفق تفسير النقابة، يمثل القاعدة العامة التي تحكم التسجيل، ولا تقول النقابة إن أبناء الأردنيات أصبحوا بموجب الكتاب الأخير مستثنين منها بصورة عامة أو أن مجرد كون المتقدم ابن أردنية يمنحه تلقائيًا حق الانتساب.
لكن النقابة تستند في المقابل إلى المادة 9 من القانون ذاته، باعتبارها النص الذي ينظم حالة المحامي الذي يحمل جنسية إحدى الدول العربية، حيث تجيز للمحامي الأستاذ الذي يحمل جنسية إحدى الدول العربية أن يطلب تسجيله في سجل المحامين الأساتذة، شريطة أن يكون حاملاً لتلك الجنسية منذ عشر سنوات على الأقل قبل تاريخ تقديم الطلب، وأن يكون هناك نص مماثل في تشريع الدولة التي يحمل جنسيتها، إلى جانب خضوعه للأحكام الأخرى ذات الصلة الواردة في المادة السابقة.
وبذلك، فإن الأساس الذي تقدمه النقابة لا يقوم على القول إن "ابن الأردنية" أصبح له استثناء مستقل عن شرط الجنسية، وإنما على اعتبار أن بعض أبناء الأردنيات من غير الأردنيين قد يدخلون ضمن الفئة التي نظم المشرع وضعها في المادة 9، باعتبارهم من حملة الجنسيات العربية، متى توافرت الشروط التي حددها القانون.
وهنا تظهر النقطة الجوهرية في تفسير القرار، فالنقابة لا تقول إن أبناء الأردنيات أصبحوا بمجرد كونهم أبناء أردنيات مستثنين من شرط الجنسية، وإنما تقول إن بعض أبناء الأردنيات من غير الأردنيين كانوا يُقبلون ضمن الاستثناء القانوني المتعلق بالمحامين العرب مع توافر شروط أخرى، وأن مجلس النقابة يمارس اختصاصه في التحقق من توافر تلك الشروط قبل اتخاذ قرار التسجيل.
كما أن المادة 9، وفق ما أوردته النقابة، لا تجعل حمل الجنسية العربية وحده كافياً للانتساب، وإنما تربط التسجيل بشروط محددة، أبرزها مدة حمل الجنسية العربية ووجود نص مماثل في تشريع الدولة التي يحمل المتقدم جنسيتها، بما يعني أن مبدأ المعاملة بالمثل يمثل عنصراً أساسياً في هذا المسار.
وعلى ضوء ذلك فإن مجالس النقابة المتعاقبة كانت تطبق الاستثناء المتعلق بالمحامين العرب عند توافر الجنسية العربية والمعاملة بالمثل، قبل أن يصدر قرار عن مجلس النقابة في 5/9/2022 بتضييق نطاق قبول طلبات الانتساب من المقيمين العرب، حتى مع وجود المعاملة بالمثل، استناداً إلى اعتبارات مرتبطة بمصلحة النقابة ومهنة المحاماة وديمومة صناديقها ومستقبل المهنة.
وأشارت النقابة إلى أن هذا الاتجاه جاء تأييداً لقرار المحكمة الإدارية العليا في القضية رقم 143/2023، التي ردت الطعن بقرار مجلس النقابة الرافض لطلب انتساب أحد المتقدمين رغم توافر الجنسية العربية والمعاملة بالمثل والإقامة الفعلية، ولم تجد المحكمة في قرار مجلس النقابة مخالفة صريحة للقانون أو خرقاً لمبدأ المشروعية، وفق ما ورد في بيان النقابة.
وبحسب توضيح النقابة، فإن قرار مجلس النقابة الصادر في 5/9/2022 لم يكن مجرد تجاهل لشرط المعاملة بالمثل، وإنما جاء على أساس أن النصوص المتعلقة بقبول العرب وضعت في ظل ظروف كانت تتسم بحرية الإقامة والتنقل بين الأقطار العربية في الظروف العادية، بينما رأت النقابة أن الظروف القائمة تقتضي مراعاة مصلحة النقابة وأعضائها وديمومة صناديقها ومستقبل مهنة المحاماة وضمان أداء رسالتها.
وأوضحت أن مجلسها أضاف منذ أيلول 2022 قيداً آخر عند التعامل مع طلبات غير الأردنيين من حملة الجنسيات العربية، بحيث يشترط، إلى جانب الجنسية العربية والمعاملة بالمثل، أن يكون المتقدم من أبناء الأردنيات، وأن يكون مقيماً إقامة فعلية ودائمة في الأردن.
هذا يعني أن العبارة الواردة في الكتاب الأول، والتي تتحدث عن "أبناء الأردنيات" بصورة مطلقة، لا تعكس كامل الشروط التي تعتمدها النقابة وفق ما جاء في توضيح النقيب.
كما أكدت النقابة على أن اجتياز امتحان القبول لا يعني وحده تحقق حق الانتساب، إذ تبقى هناك شروط أخرى تتعلق بالجنسية والإقامة والمعاملة بالمثل وسائر شروط التسجيل المنصوص عليها في القانون والأنظمة ذات الصلة، فضلاً عن أن القرار النهائي بشأن التسجيل يدخل أصلاً ضمن اختصاص مجلس النقابة وفق المادة 93.
وكل ما طرح يشير إلى أن التوضيح لا يمثل "نفياً" لوجود حالات قبول فعلية، حيث كشفت النقابة أن عدد أبناء الأردنيات الذين جرى قبولهم منذ شهر أيلول 2022، ممن يتمتعون بالجنسية العربية وتوافرت بحقهم شروط المعاملة بالمثل، بلغ 22 محامياً متدرباً.
المقارنة التي قامت بها "جفرا نيوز" بين الكتاب الأول والتوضيح اللاحق تقود إلى نتيجة أساسية مفادها أن النقابة لم تتراجع عن قبول أبناء الأردنيات من حيث المبدأ، لكنها نفت أن يكون الكتاب الأول قد منح جميع أبناء الأردنيات، دون تمييز أو شروط، حق الانتساب إلى النقابة.
الخلاف الجوهري بين النصين يكمن في أن الكتاب الأول استخدم صياغة عامة يمكن أن تُفهم باعتبارها استثناءً شاملاً من شرط الجنسية، فيما جاء التوضيح ليؤكد أن الأساس القانوني الذي تعتمد عليه النقابة ليس "كون المتقدم ابن أردنية" وحده، وإنما أحكام المادة 9 المتعلقة بحملة الجنسيات العربية، مقترنة بشروط مدة حمل الجنسية والمعاملة بالمثل والإقامة الفعلية والدائمة وكون المتقدم ابن أردنية، إلى جانب بقية شروط التسجيل.
وبذلك، فإن المادة 93 تتعلق بصلاحية مجلس النقابة في النظر بالطلب واتخاذ قرار القبول أو الرفض، بينما تتعلق المادتان 8 و9 بشروط التسجيل والفئات التي يمكن أن تستفيد من الاستثناءات المنظمة قانوناً. وهذه التفرقة مهمة في فهم موقف النقابة، لأنها تقول إن صلاحية المجلس في قبول الطلبات لا تعني تعديل القانون أو إلغاء شرط الجنسية، وإنما ممارسة الاختصاص الممنوح له في فحص الطلبات وفق الشروط والقواعد التي تقول إنها واجبة التطبيق.
والجدل القانوني الذي أثير عقب صدور الكتاب الأول يحتاج إلى إعادة ضبط، إذ إن السؤال لم يعد فقط: هل استثنت النقابة أبناء الأردنيات من شرط الجنسية؟، وإنما أصبح: هل الشروط التي تقول النقابة إنها تطبقها على أبناء الأردنيات من حملة الجنسيات العربية تجد سندها في المادة 9 من قانون النقابة، وهل يملك مجلس النقابة، استناداً إلى اختصاصه المنصوص عليه في المادة 93 وإلى سلطته التقديرية التي تتمسك بها النقابة، إضافة شرط الإقامة الفعلية والدائمة واشتراط كون المتقدم ابن أردنية؟
هذه النقطة تحديداً هي التي تشكل جوهر الخلاف القانوني، ولا سيما أن النقابة تستند إلى سابقة قضائية إدارية لتأكيد مشروعية ممارسة مجلسها لسلطته التقديرية في قبول أو رفض بعض طلبات غير الأردنيين.
وعليه، فإن بيان النقابة لا يمكن وصفه بأنه نفي للقرار السابق، بل هو أقرب إلى توضيح لنطاقه وتفسير للعبارة التي وردت في الكتاب الأول، فالقبول موجود فعلياً بحسب أرقام النقابة، لكنه ليس مفتوحاً أمام جميع أبناء الأردنيات، وإنما محصور بفئة محددة من حملة الجنسيات العربية ممن تتوافر بحقهم مجموعة من الشروط القانونية والتنظيمية.
ويبقى من حق المتابعين والمحامين طرح الأسئلة القانونية حول مدى كفاية هذه النصوص لتأسيس شروط الانتساب، وحدود السلطة التقديرية لمجلس النقابة، وما إذا كانت الشروط الإضافية التي تقول النقابة إنها اعتمدتها منذ عام 2022 تجد سندها المباشر في قانون النقابة وأنظمته، وهي مسائل يظل حسمها النهائي من اختصاص الجهات القضائية المختصة عند عرضها عليها.
وكانت "جفرا نيوز" قد حاولت التواصل مع نقيب المحامين يحيى أبو عبود للاستفسار عن الأساس القانوني للقرار، قبل صدور التوضيح، فيما يأتي بيان النقابة الأخير ليقدم للمرة الأولى تفسيراً مفصلاً للأساس القانوني الذي تقول النقابة إنها اعتمدته في هذا الملف.