جفرا نيوز -
خاص
لم تكن نسخة مهرجان جرش الـ 40 "عادية" ولم يكن هدف إدارة مهرجان جرش تمرير الحدث الفني والثقافي الأضخم محليًا وعربيًا وكأنه واجب فقط، هذا العام كانت فعاليات جرش مختلفة، وكان الإقبال على غير العادة، والأعلى في تاريخ المهرجان، ولو وقفنا على الأسباب، لوجدنا أن الخطط والآلية التي وضعت لإنجاح المهرجان، لم تكن محضة ولا عابرة، فهناك أسابيع من العمل والترتيبات التي سبقت اللوحات والإبداعات والأمسيات الفنية التي تغنى على أوتارها الأردنيون منذ انطلاق المهرجان في 23 أيلول الماضي، وحتى ختام المهرجان يوم أمس الأحد، بمراسم إطفاء الشعلة وتسليم العلم في الساحة البيضاوية بمدينة جرش الأثرية.
عندما انطلقت الدورة الأربعين تحت شعار" إرث يمتد وأجيال تلتقي"، ظن البعض أن الصورة النمطية ستتكرر ، وأن الإقبال سيكون مقتصرًا فقط على المسرحين الشمالي والجنوبي؛ لحضور الحفلات الغنائية، إلا أن ما حدث في جرش هذه المرة كان يستحق الوقوف عنده؛ لأن نحو 130 ألف زائر قدموا إلى جرش؛ للاستمتاع بأكثر من 226 فعالية ثقافية وفنية، وأمسيات شعرية وأدبية، ومسرحيات شارك فيها 1300 فنان ومبدع، وكان للمرأة مكانة خاصة في أروقة جرش؛ إذ أشاد الزوار بدور المرأة الأردنية في ترسيخ قيمة العمل والإنتاج، وكان للطفل والعائلة نصيبًا من المتعة والفائدة في مسرح الصوت والضوء، و الهيبودروم هذا المسرح الذي قُدم على خشبته أرقى الفعاليات وأكثر الأمسيات متابعة؛ إذ حرصت إدارة المهرجان على أن تكون مجانية، وكذلك ما قُدم على مسرح أرتيميس، وفعاليات وجولات عديدة، ونشاطات تتعلق بتعلم الحرف اليدوية وغيرها في الساحة البيضاوية، هذا المعلم الجرشي المميز.
وعلى خشبة مسرحي الفن والتميز"شمالي وجنوبي" جرش، كانت الانفرادات واضحة بحضور فناني الصف الأول في العالم العربي مثل؛ السيدة ماجدة الرومي التي افتتحت أولى الحفلات برسائل مهمة من بيروت إلى عمّان، وحضور مميز لأخطبوط العود الفنان الكبير عبادي الجوهر، وعودة لفنانين مهمين بعد غياب سنوات؛ كـ "إليسا ومروان خوري"، وكذلك صاحبة الإحساس سفيرة الأغنية اللبنانية عبير نعمة، والفنان الذي "كسر الدنيا" بغنائه وأدائه وأشعل الأجواء أحمد سعد، كذلك اهتمت الإدارة أيضًا بحضور الأصوات الشبابية التي تهم فئة كبيرة من شباب المجتمع مثل؛ الشامي الذي قدم أداءً صاخبًا مميزًا لأول مرة في جرش، وكذلك صاحبة الصوت الجميل لين الحايك وهي من أصغر الذين وقفوا على خشبة المسرح العريق "جرش"، الذي وقف عليه أهم القامات الفنية.
كذلك الحضور الفني المحلي كان منفردًا بإبداعات وصلت بيوت كل الأردنيين، وكان حفل افتتاح جرش هو الشاهد على أهم الأصوات الأردنية، بوجود صوت الأردن الفنان عمر العبداللات، والفنان حسين السلمان، والفنانة نداء شرارة، والفنان عزيز مرقة، والفنان عصام النجار، إلى جانب مشاركة فرق أردنية أضفت على المهرجان طابعًا لا يُنسى، كذلك المشاركة الفاعلة في المونودراما، والتقديم المسرحي وغيرها، وختامها كان بنكهة أردنية طازجة، وذلك باختتام فعاليات المسرح الجنوبي بأصوات أردنية نحبها ونقدر فنها، بحضور للفنانين بشار السرحان ونجم السلمان وغادة عباسي.
الدول وثقافتها كانت مركزًا أنطلق منه فكرة مهمة يقوم عليها مهرجان جرش الأربعين، وهي إيصال رسالته إلى العالم من خلال تبادل الثقافات، وهو ما كان واضحًا في جناح السفارات الذي ضم عدد كبير من الدول المشاركة على مستوى العالم، وكذلك فعاليات قُدم خلالها ثقافات، وفلكلور بلادهم، مثل فلسطين، ومصر، وإندونيسيا، وعروض شركسية، وأخرى مسرحية، وأهمها "أم كلثوم" و"ألف ليلة وليلة"، فقد أعلن المهرجان أن 32 دولة شاركت بالفعاليات، منها 14 دولة ضمن برنامج التبادل الثقافي، و10 دول عبر أجنحة السفارات.
جميع المؤسسات التي شاركت في إنجاح جرش، كانت حاضرة لتُطفئ شعلة الإبداع ، وثمرة الجهود المتواصلة، والتي أشرف عليها رئيس اللجنة العليا لجرش وزير الثقافة الدكتور مصطفى الرواشدة، كما حضر وزير السياحة والآثار عماد الحجازين ومحافظ جرش الدكتور مالك خريسات، ورئيس لجنة البلدية محمد بني ياسين وعدد من أعضاء اللجنة العليا والمسؤولين، وأبناء المجتمع المحلي والإعلاميين.
جرش هذه المرة نجح باسم مؤسسات الدولة جميعها، وسطر تجربة يمكن الاستعانة بها لسنوات، وهنا يجب الإشارة إلى جهود إدارة مهرجان جرش الممثلة بالمدير التنفيذي المستشار يزن الخضير، الذي لم يهدأ يومًا منذ انطلاق المهرجان، وكان متعاونًا مع الإعلام خاصة مع وجود كوادر إعلامية مميزة وقفت وقفة واحدة؛ لإنجاح المهرجان والترويج له بصورة تليق بمكانته التاريخية، وأجرى جولات ميدانية يومية، واهتم برصد الملاحظات والاستماع لكل الآراء، وهذا يعني أن يُطبق سياسة الباب المفتوح في العمل، أيضًا جعل من المهرجان فكرة والفكرة لا تموت، بل يتم العمل على تجويدها وتطويرها، وهو ما صرح به عندما قال إن إدارة المهرجان ستواصل البناء على ما تحقق من نجاحات في الدورة الأربعين، والاستفادة من جميع الأفكار والمقترحات؛ لتقديم دورات أكثر تميزًا، وكذلك حرصه الشديد على راحة الزائر، وتوفير كل ما هو ممكن له.
مهرجان جرش الأربعين علامة فارقة في التنظيم، وحسن الأداء، والحضور الجماهيري غير المسبوق، واللافت أن الإشادة كانت بالإجماع، سواء من الجمهور أو الفنانين والفرق المشاركة، وحتى من المنظمين أنفسهم، ولا يمكن تخطي حالة الانسجام التي كانت سائدة بين فريق عمل مهرجان جرش، الذي وفر فرص عمل لأبناء المجتمع المحلي وغيرهم من أبناء الوطن، كذلك بصمة الهوية البصرية التي تركت أثرًا عند الزائر والمشاهد.
حقيقة يمكن القول إن مهرجان جرش انتهى دون أي غلطة تذكر، وترك مفهومًا مفاده أن الأردن قادر على تنظيم أهم وأكبر الفعاليات، وأن الأمن والأمان بوجود مؤسساتنا الأمنية نعمة نُحسد عليها، وأن المؤسسات عندما تتكاتف يكون النجاح هو الفيصل، ورفيق الدرب، شكرًا لجرش وكل من وقف خلف إنجاحه، وعلى نسخة جعلت الصيف أكثر جمالًا، وتركت في النفوس إرثًا ثقافيًا لا يُنسى.