جفرا نيوز -
إسماعيل الشريف
نظام عالمي جديد... عالم يحكمه القانون، لا شريعة الغاب، في سلوك الدول- جورج بوش الأب.
بعد الحرب الإيرانية، يدور نقاش حقيقي داخل مراكز الدراسات في الولايات المتحدة حول كلفة الانتشار العسكري، واستنزاف الحروب الطويلة، وتصاعد فاعلية المسيّرات والصواريخ منخفضة الكلفة في مواجهة الأنظمة العسكرية الباهظة الثمن.
ويضاف إلى ذلك عامل أكثر أهمية من كل ما سبق؛ إذ بلغ الدين القومي الأمريكي 39 تريليون دولار، في وقت تعرّضت فيه العديد من القواعد الأمريكية في المنطقة للتدمير، بما في ذلك راداراتها.
لسنوات طويلة، تعاملت دول المنطقة مع الوجود الأمريكي باعتباره قوة للاستقرار، لكن بعد استهداف قواعده داخل أراضي هذه الدول، لم تعد تلك القواعد يُنظر إليها بوصفها ضمانة للأمن، بل تحوّلت إلى أهداف مباشرة وعبء يهدد استقرار الدول المضيفة نفسها. وهنا يبرز سؤال جوهري: إذا كانت دول المنطقة قد بدأت تدرك أن القواعد الأمريكية، التي طالما سوّقتها واشنطن باعتبارها عامل استقرار، لم تعد تؤدي هذا الدور، بل أصبحت مصدر تهديد وعدم استقرار، فكيف يمكن تبرير استمرارها؟ وحتى لو افترضنا بقاء هذه المعسكرات الأمريكية، فإن إعادة تأهيلها وتشغيلها ستحتاج إلى مليارات الدولارات، فمن الذي سيتحمّل كلفة ذلك؟
لقد أضرّت مغامرة الولايات المتحدة في الحرب مع إيران بصورة واشنطن إلى حدّ كبير؛ فإيران صمدت رغم الحصار والضغوط، مستندة إلى دعم صيني وروسي، بينما انعكست تداعيات الحرب بصورة مباشرة على ميزانيات دول المنطقة واستقرارها الاقتصادي. لذلك، يبدو أن دول المنطقة لم تعد متحمسة لاستمرار هذه القواعد، خصوصاً أنها باتت تحتاج إلى إعادة تأهيل شاملة بكلف مالية ضخمة.
وأثبتت هذه الحرب أن رغبة الولايات المتحدة في البقاء بالمنطقة لم تكن مرتبطة بحماية السلام الإقليمي بقدر ما كانت مرتبطة بحماية مصالحها الاقتصادية وهيمنة الدولار، عبر ضمان بقاء ممرات الطاقة مفتوحة واستمرار بيع النفط بالدولار، وهو ما يشكّل أحد أهم مصادر القوة الأمريكية عالمياً. لكن مع تضخّم ديون الولايات المتحدة، أصبح الحفاظ على هذه القواعد مكلفاً إلى حدّ كبير. فإذا قررت واشنطن الانسحاب من المنطقة، فإنها ستوفّر مليارات الدولارات، لكنها قد تخسر معادلة «البترودولار» التي شكّلت أحد أعمدة نفوذها العالمي. أما إذا اختارت إعادة تأهيل قواعدها المتضررة، فإن ذلك سيضيف أعباءً هائلة إلى ديونها المتفاقمة أصلاً.
قد تلجأ الولايات المتحدة إلى الضغط على دول المنطقة لتحمّل كلفة إصلاح ما دمّرته الحرب، وهنا تبرز أسئلة أكثر حساسية: هل تستطيع دول المنطقة فعل ذلك أصلاً؟ وهل تملك الرغبة السياسية والشعبية لتحمّل هذه الكلفة؟ وحتى إن أُجبرت على ذلك، فإن صورة الولايات المتحدة ستتحول أكثر فأكثر، في الوعي العام، إلى قوة احتلال، وقوى الاحتلال لا تبقى إلى الأبد.
من الواضح أننا ننتقل من عالم أحاديّ القطب إلى عالم متعدد الأقطاب، وتتجلّى مؤشرات ذلك في أكثر من مشهد؛ من انخراط الولايات المتحدة في حروب وإبادة جماعية أفقدتها الكثير من رصيدها الأخلاقي والقيمي، إلى تورّطها في المستنقع الإيراني، مروراً بالارتفاع الهائل في ديونها، وصولاً إلى تراجع الإقبال على سندات الخزينة الأمريكية التي تُستخدم لتمويل هذه الديون.
السؤال الأهم ليس: من سيحلّ مكان الولايات المتحدة؟ بل كيف سيحدث هذا التحوّل؟ وهل سينعكس على شعوب المنطقة بمزيد من الاضطراب والصراعات، أم سيكون تراجعاً هادئاً ومتدرجاً؟ وكيف ستتعامل الولايات المتحدة، التي اعتادت موقع القطب الأوحد، مع عالم متعدد الأقطاب تصبح فيه مجرد قوة بين عدة قوى دولية؟.