جفرا نيوز -
يشهد العالم اليوم تحولاً متسارعاً نحو الاقتصاد الرقمي، حيث أصبحت الهواتف الذكية والتطبيقات الإلكترونية ومنصات التجارة الرقمية جزءاً أساسياً من تفاصيل الحياة اليومية. ولا شك أن هذا التحول أحدث نقلة نوعية في سرعة إنجاز الأعمال وتسهيل الوصول إلى السلع والخدمات، إلا أن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة هو: من المستفيد الحقيقي من هذا التحول الرقمي؟
في الظاهر، يبدو الاقتصاد الرقمي قصة نجاح عالمية، فهو يوفر الوقت والجهد ويمنح المستهلك خيارات واسعة بضغطة زر. لكن عند التعمق في المشهد الاقتصادي، نجد أن الشركات الرقمية العملاقة أصبحت تمتلك نفوذاً غير مسبوق، مكّنها من الوصول المباشر إلى المستهلكين داخل منازلهم، وجعلها قادرة على التأثير في أنماط الاستهلاك والسلوك الشرائي عبر البيانات والخوارزميات والإعلانات الموجهة.
ومع توسع هذه المنصات، واجهت آلاف المتاجر التقليدية والشركات الصغيرة تحديات كبيرة في المنافسة، حيث لم تتمكن من مجاراة الإنفاق الضخم على التسويق الرقمي أو مواجهة التخفيضات والعروض التي تفرضها المنصات الكبرى. ونتيجة لذلك، أخذت الأسواق تتجه تدريجياً نحو التركز بيد عدد محدود من الشركات التي تمتلك البيانات والتكنولوجيا وأدوات التأثير.
إن الإشكالية الحقيقية لا تكمن في التكنولوجيا ذاتها، فالتقدم التقني ضرورة لا يمكن الوقوف في وجهها، وإنما تكمن في كيفية إدارة هذا التحول وتنظيمه. فعندما يتحول الاقتصاد الرقمي إلى وسيلة لتعزيز الاستهلاك المفرط وسحب الأموال من جيوب الأفراد عبر الإغراء المستمر والعروض الموجهة، فإننا نكون أمام تحدٍ اقتصادي واجتماعي يتطلب المعالجة والحكمة.
ومن هنا، فإن نجاح الدول في العصر الرقمي لا يقاس فقط بقدرتها على مواكبة التكنولوجيا، بل بقدرتها أيضاً على سن التشريعات التي تضمن المنافسة العادلة، وتحمي المستهلك، وتدعم التاجر المحلي، وتمنع أشكال الاحتكار الإلكتروني الجديدة التي قد تنمو بصمت بعيداً عن الرقابة.
إن الاقتصاد الرقمي فرصة تاريخية للتنمية والازدهار إذا أحسن توظيفه، لكنه قد يتحول إلى أداة لاستنزاف الاقتصادات المحلية إذا تُرك دون ضوابط وتشريعات توازن بين الابتكار والمصلحة العامة. والتحدي الحقيقي أمام الحكومات اليوم ليس في الدخول إلى العالم الرقمي، بل في ضمان أن تبقى فوائده في خدمة الشعوب لا على حسابها.
بقلم : الدكتور عصام شقره