النسخة الكاملة

الأردن…آخر الواحات في زمن الصراعات

الخميس-2026-04-16 09:13 am
جفرا نيوز -
البرفسور عبدالله سرور الزعبي

مركز عبر المتوسط للدراسات الاستراتيجية

ليس الشرق الأوسط مجرد جغرافيا تُقرأ على الخرائط، بل هو نصٌّ مفتوح يتجاوز المكان ليقترب من حدود المعنى. إنه فضاء تتقاطع فيه السياسة مع الفلسفة، والقوة مع الوعي، بحيث تتحول الدول من كيانات صلبة إلى رموز كثيفة الدلالة، تختصر تصورات متباينة عن العالم، كيف يُدار؟ ومن يملك حق تشكيله؟ وأين تنتهي حدود النفوذ وتبدأ أخرى؟.

في هذا الفضاء، لا تُفهم الأحداث باعتبارها نتائج مباشرة للصراع، بل بوصفها انعكاسًا لطريقة إدراك الفاعلين لهذا الصراع. فالمعركة ليست فقط على الأرض أو الموارد، بل على "تعريف الواقع" نفسه، من يملك تفسيره؟ ومن يفرض معاييره؟ وكيف تُبنى شرعية القوة داخل نظام غير مستقر بطبيعته؟ هنا، لا تكون الوقائع سابقة على تفسيرها، بل متداخلة معه؛ إذ يُعاد إنتاج الواقع عبر اللغة التي تصفه، والسردية التي تمنحه معناه.

هكذا، يتحول الشرق الأوسط إلى ساحة تتداخل فيها الجغرافيا مع الإدراك، حيث لا تتحرك الدول ككيانات سياسية فقط، بل كنماذج تفكير استراتيجي. لم تعد الجغرافيا الصلبة وحدها هي المحدد، بل ظهرت جغرافيا أكثر سيولة، تُبنى على النفوذ والاقتصاد والتكنولوجيا والمعلومات. وفي هذا التحول، لم يعد الصراع على "المكان" بقدر ما أصبح صراعًا على "تأويل المكان"، على من يملك سلطة القول، ومن يحتكر إنتاج المعنى.

من هذه الزاوية، لا يعود السؤال، من يملك القوة؟ بل، كيف تُفهم القوة أصلًا؟ وكيف يُعاد إنتاجها في فضاء لا يعرف الحسم النهائي، بل يعيش على إيقاع توازن قلق، حيث كل استقرار مؤقت، وكل معادلة قابلة لإعادة التعريف؟ القوة هنا ليست معطى ثابتًا، بل عملية مستمرة من إعادة البناء، تتشكل بقدر ما تُفهم، وتُمارس بقدر ما تُروى.

ولفهم هذا المشهد، تغدو الرمزية أداة تحليلية لا غنى عنها، لا كزخرفة لغوية، بل كمدخل معرفي يكشف البنية العميقة للنظام. فالنسر، والدب، والتنين، والصقر، والقط، والذئب، والجمل، والحدأة، والواحة، ليست استعارات، بل أنماط مختلفة من "العقل الاستراتيجي"، كل منها يُنتج القوة وفق منطقه الخاص، ويُدير الزمن بطريقة مغايرة.

في قمة الهرم، يظهر النسر الأمريكي كنموذج "القوة الفوقية"، لا يكتفي بامتلاك أدوات الهيمنة، بل يسعى إلى تعريف قواعد اللعبة نفسها (ما هو الخطر؟ من هو العدو؟ ما هي الحدود؟ وأين تبدأ الحرب وأين تنتهي؟ وكيف تُدار الأزمات؟ إنه يعيد صياغة معنى الصراع وفق منطقٍ يقترب من رؤية ميكيافيلية). لكنه يواجه مفارقة بنيوية، فكلما ارتفع واتسعت قدرته على التدخل، ازداد انكشافه، وتحولت السيطرة إلى عبء، والنفوذ إلى استنزاف. إن العلو يمنحه الرؤية، لكنه لا يضمن له التحكم في التفاصيل على الارض. 

إلى جانبه، يقف الدب الروسي كقوة "تثبيت استراتيجي"، يتحرك بمنطق الأرض لا السماء (فلسفة أنطولوجيا الأرض)، يسعى إلى منع الانهيار النظام، أو إعادة تشكيله دون حضوره. دبًا مضاداً للسيولة، ويعرف حدوده ويُحسن التمسك بها. 
بينما يمثل التنين الصيني نموذج "التراكم الهادئ"، ينفث نفوذه عبر الزمن من خلال الاقتصاد، التجارة، التكنولوجيا، وسلاسل الإمداد (الزمن ذاته أداة استراتيجية)؛ فالسيطرة ليست لحظة حسم، بل نتيجة مسار طويل من التغلغل، ليصبح نتيجة حتمية لمسارٍ التاريخ. 

أما أوروبا، فتظهر كـ"عنقاء سياسية"، خرجت من حروب مدمرة، وتبني نفسها على القانون والقيم. لكنها تعيش توترًا دائمًا بين القيم والقوة، بين الأخلاق والواقعية، فتسعى إلى الترميم أكثر من الحسم، وإلى الاحتواء أكثر من المواجهة، لكنها تجد نفسها مضطرة للعودة إلى منطق القوة في عالم لم يعد يكتفي بالقانون. بلغة الفلسفة السياسية، فهي تعيش توترًا بين "الأخلاق الكانطية" و"الواقعية الهوبزية"، بين كونها مشروعًا حضاريًا وكونها فاعلًا سياسيًا مضطرًا. 

إذا كانت القوى الكبرى تتشارك في رؤية الشرق الأوسط كحيّز لإدارة التوازنات لا كفاعلٍ مستقل. فإن القوى الإقليمية تتحرك، بوصفها فواعل، لاعادة تعريف قواعد اللعبة من داخلها.

هنا، يظهر القط الشيرازي (قط استراتيجي)، قوة تعمل في الظلال، ويتقن التسلل داخل الفراغات السياسية والأمنية، وبناء شبكات تأثير تتجذر داخل النسيج (سياسة الصبر الاستراتيجي، و استراتيجية اللايقين). مستفيدًا من رفاهية الغموض، والإنكار، والعمل في المناطق الرمادية، لا يسعى لحسم خرائط المعرك، بل لارهاق الخصم وتفكيك تماسكه تدريجيًا. قط له القدرة على تحوّيل الضعف إلى أداة نفوذ، حتى يغدو حضوره، عاملًا حاسمًا في تشكيل المشهد. 

ويبرز الذئب الاناضولي، كفاعل مرن يتحرك بين التوازنات، ويتقن إعادة التموضع واستثمار اللحظة، دون أن يرتبط بخريطة ثابتة. إنه فاعل "براغماتي راديكالي"، تتداخل حساباته مع النسر والدب والتنين، والعنقاء، ويرى العالم كسلسلة من اللحظات الممكنة لا كخريطة ثابتة.

أما الحدأة الإسرائيلية، فتمثل عقلية استراتيجية قائمة على الاختزال الزمني (الزمن ليس حليفًا، بل تهديدًا)؛ حيث تُدار القوة كضربات استباقية وسريعة. الأمن لديها، حالة قلق دائمة. تتصرف في منطق هنتنغتون، لا يتعلق الأمر بصدام حضارات بقدر ما يتعلق بتداخل صراعات داخل حضارات غير مكتملة الاستقرار، حيث يصبح الخطر جزءًا من تعريف الذات. فالأمن هنا ليس حالة تُنجز، بل مشروع مستمر يُعاد إنتاجه كل يوم. 

أما الصقر الباكستاني، فهو فاعل يقرأ التهديدات قبل تشكلها، ويجمع بين القدرة والقلق، بين الردع والهشاشة، في موقع يفرض عليه قراءة المشهد لا الاندماج الكامل فيه. هناك، حيث يمرّ ظلّ التنين، وتلوح في الأفق حسابات النسر، وتتشابك حساسيات الجوار، تتحول باكستان إلى رمزٍ مزدوج، عقيدةٌ تحرسها القوة، ودولةٌ تعرف أن البقاء في عالم الرموز لا يكون إلا لمن يملك القدرة على التحوّل دون أن يفقد ذاته. 

وفي الخلفية، يتحرك الجمل العربي (جمل استراتيجي)، قوة صبورة، وقادرة على التحمل، والاستمرار في بيئات قاسية، ويمتلك عمقًا جغرافيًا وطاقةً استراتيجية، وصبرًا يكفي لعبور الصحارى، لكنه لا يرسم خريطتها، ويحولها الى معنى، رغم انه يحمل في داخله ما يكفي لصناعة فعلٍ تاريخي مؤثر (حسب ابن خلدون، تكمن الأزمة في غياب العصبية الجامعة، أي الفكرة التي تحول القدرة إلى تاريخ). السؤال كيف يمكن لمن يمتلك كل هذه الإمكانات أن يبقى خارج الفعل التاريخي المؤثر؟.

وفي قلب هذا كله، تظهر "الواحة الأردنية السياسية" كفكرة استراتيجية عميقة، قائمة على الثبات وسط السيولة. فهي ليست مجرد مساحة استقرار، بل نمط في التفكير، القدرة على إدارة التوازن داخل بيئة غير متوازنة. الواحة ليست نقيض الصحراء، بل إعادة تنظيم لها؛ وتحويل القسوة إلى قابلية للعيش، والتكيف، وامتصاص الصدمات، والندرة إلى استقرار.

قد تبدو الواحة صغيرة، لكن قيمتها الحقيقية تكمن في ما تمتلكه. هنا تتجلى فلسفة الأردن، قوة هادئة، غير صاخبة، لكنها عميقة في الاستمرارية والوظيفة. مما يمنحه معنى مختلفًا، مكان يمكن العبور منه دون الانهيار فيه.

الأردن، لا يقوم على فائض القوة، بل على فائض الموقع والدور. قوته ليست في فرض المعادلات، بل في ضبط إيقاعها، داخل محيط يميل إلى الانفجار. لكنه يواجه مفارقة دقيقة، فكلما نجح في تثبيت الاستقرار، زادت كلفة الحفاظ عليه (مما يزيد من احتماية جفاف الواحة، بدون سيول التغذية)، وأصبح الانتقال من "واحة استقرار إلى واحة تأثير" التحدي الأكبر.

فإذا كانت القوى الكبرى تصنع الصراع، والقوى الإقليمية تديره، فإن الأردن، بوصفه واحة، لا يمكن الاستغناء عنها، وبقيادته الحكيمة، يملك القدرة على ضبط إلايقاع.

في هذا المشهد، لا تتواجه القوى فقط، بل تتواجه أزمنة مختلفة، هناك من يختصر الزمن بضربة، ومن يمدده بصبر، ومن يعيد تشكيله كليًا. وهنا، يتحول الزمن من خلفية للأحداث إلى أداة في الصراع ذاته.

هنا، يتغير السؤال الجوهري، ليس من الأقوى، بل من الأوعى. فالأمم لا تسقط فقط بالهزيمة، بل حين تفقد قدرتها على تعريف ذاتها، وعلى إدراك موقعها داخل العالم. 

فالتحول الحقيقي لا يكمن في تبدل موازين القوى، بل في تبدل دلالة الفعل ذاته، وفي العلاقة بين القدرة والمعنى، وبين الوجود والدور، وبين الحركة والغاية. إنها القدرة على إعادة تملك الزمن، وتحويله من قدر مفروض إلى مجال قابل للإدارة.

لذلك، لا يتجه الشرق الأوسط نحو حسم نهائي، بل نحو "تعقيد مُدار"، حالة لا تنتهي فيها الحروب، ولا يستقر فيها السلام، بل تُدار فيها التوترات ضمن هامش دائم من الانفجار. وهنا تتحول الأزمات من أحداث طارئة إلى آليات عمل بنيوية.

إنه "توازن ردع ديناميكي"، حيث لا أحد قادر على الحسم، لكن الجميع قادر على التعطيل. الاستقرار ليس نتيجة انسجام، بل نتيجة خوف متبادل.

غير أن ما يزيد هذا المشهد تعقيدًا، أن القوة لم تعد تُعلن نفسها بصيغتها المباشرة. فهي لا تقول "أنا أفرض، بل، أنا أحمي الاستقرار". والهيمنة لا تُصرّح بذاتها، بل تتخفى داخل خطاب النظام. وحتى الحرب، لم تعد تُسمى حربًا، بل، إجراء أو عملية، او ضرورة، وغيرها من المسميات.

هنا، لا تصف اللغة الواقع، بل تصنعه. وهكذا، يتحول الشرق الأوسط إلى ساحة روايات، لا صراعات فقط. كل فاعل يكتب قصته، ويسعى لفرضها كحقيقة وحيدة.

لكن من لا يكتب قصته، يُكتب عنه. ومن لا يعرّف نفسه، يُعرّف من خارجها. وهنا، لا تكون الأزمة في امتلاك القوة، بل في امتلاك اللغة التي تمنحها معناها.

ومن هذا المنظور، لا تبدو أزمة المنطقة سياسية فقط، بل معرفية أيضًا. أزمة في طريقة الفهم، لا في الوقائع وحدها. فحين نختزل القوة في السلاح، نتجاهل القوة التي تمارسها المفاهيم. وحين نبحث عن الحلول في الواقع فقط، نغفل أن جزءًا من الأزمة يكمن في اللغة التي نصف بها هذا الواقع. وهنا يصبح السؤال، هل نحن ضحايا الخطاب، أم شركاء في صناعته؟.
في النهاية، لا يقدّم هذا الطرح إجابة، بل يعيد تفكيك السؤال نفسه. لا يعرّف الشرق الأوسط، بل يشكك في إمكانية تعريفه تعريفًا نهائيًا. ولا يحدد من يملك القوة، بل يسأل، كيف تُنتج القوة أصلًا؟.

وربما، في المسافة بين ما يُقال وما لا يُقال، يتشكل الإدراك الأكثر قلقًا، أننا لا نعيش فقط داخل صراع، بل داخل قصة. قصة تُكتب يوميًا، وتُعاد صياغتها، وتُصدّق، لا لأنها حقيقة مطلقة، بل لأنها تُروى بما يكفي.

وفي خضم هذه السيولة، تبرز إمكانية أخرى، أن غياب المركز لا يعني الفوضى فقط، بل يفتح المجال لتوازنات جديدة. 

وقد يبرز تصور استشرافي مختلف، ماذا لو التقت قوى إقليمية متوسطة، تمتلك عناصر التكامل لا التنافس، وانطلقت من نقطة توازن لا من مركز هيمنة؟ ماذا لو تشكل تقاطع بين عمق عربي، وامتداد آسيوي باكستاني، وحيوية أناضولية، ضمن فضاء الواحة الاردنية بشرعيتها التاريخية والدينية، كوسيط قادر على الربط لا الفصل؟.

في هذا الأفق، قد لا يولد محور صدام، بل نمط جديد من "التوازن المرن"، يعيد تعريف العلاقة مع القوى الكبرى، وينقل الفاعلين من موقع التلقي إلى موقع الفعل.

ويبقى السؤال، هل يمكن لهذا التصور أن يتحقق؟ وهل تسمح لحظة السيولة الراهنة بولادته؟ وهل نحن مستعدون له؟
الجواب، نعم، في ظل وجود قيادة حكيمة، تستشرف المستقبل وقادرة على ادارة التوازن والندرة في زمن الاضطراب، ممثلة بالملك.

فالتاريخ نادرًا ما يترك الفراغات بلا من يملؤها. لكنه لا يمنح هذه الفرصة إلا لمن يمتلك أمرين معًا، شجاعة الفعل، وجرأة الخيال. فهل نحن جاهزون لهذه الفرصة التاريخية.

© جميع الحقوق محفوظة لوكالة جفرا نيوز 2024
تصميم و تطوير