جفرا نيوز -
رومان حداد
مر الأردن في لحظة إقليمية بالغة الحساسية خلال الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران على مدى أربعين يوماً، ورغم قدرة الأردن عسكرياً وسياسياً التعامل مع ما حملته هذه الفترة من تهديدات ومخاطر، إلا أن المراقب استطاع أن يدرك أن المشهد السياسي الأردني كان خالياً تقريباً من أي حضور حزبي فاعل، ليس فقط على مستوى الفعل، بل حتى على مستوى الفكرة.
فبينما كانت المنطقة تعيش تسارعاً غير مسبوق في الأحداث، وتداعيات مفتوحة على الاقتصاد والأمن والطاقة، غابت الأحزاب الأردنية عن تقديم أي قراءة سياسية ناضجة أو مقاربة استراتيجية تساعد في تفسير ما يجري أو اقتراح كيفية التعامل معه.
كشف هذا الغياب عن أزمة عميقة تتعلق بالبنية الفكرية والتنظيمية للأحزاب نفسها، حيث أن الأحزاب الجديدة منذ إنشائها والقديمة منذ إعادة تشكلها، بعد إطلاق منظومة التحديث السياسي، لم تُقدم أية أطروحات واضحة حول أي أزمة مر بها الأردن، ولم تكن حاضرة على المستوى الفكري أو على مستوى الشارع في الأزمات المتلاحقة منذ 2023.
ولم تكن هذه الأزمة مختلفة، حيث لم يتقدم حزب بقراءة لكيفية إدارة اقتصاد الأزمة، رغم أن الحرب حملت تداعيات مباشرة على سلاسل التوريد وأسعار الطاقة والاستقرار المالي، كما لم يظهر أي تصور حزبي للتعامل مع الآثار قصيرة أو متوسطة المدى لهذه الحرب، سواء على مستوى الأمن الوطني أو السياسة الخارجية أو حتى التماسك الاجتماعي الداخلي.
هذا الغياب عكس ضعفاً واضحاً في البعد التنظيري للأحزاب، فالأحزاب، في جوهرها، ليست مجرد أدوات انتخابية، بل هي مؤسسات إنتاج فكري وسياسي، يفترض أن تمتلك رؤى أيديولوجية قادرة على تفسير الأزمات واقتراح البدائل، إلا أن ما ظهر خلال هذه الحرب هو أن معظم الأحزاب تفتقر إلى هذا الأساس، ما جعلها عاجزة عن إنتاج خطاب سياسي متماسك، أو حتى عن التفاعل السريع مع حدث مفصلي بهذا الحجم.
في المقابل، كان يفترض أن تشكل هذه اللحظة اختباراً حقيقياً لعملية التحديث السياسي في الأردن، التي قامت فلسفتها أساساً على تعزيز دور الأحزاب في الحياة العامة، وتحويلها إلى قنوات رئيسة للتعبير السياسي وصناعة القرار، لكن ما حدث فعلياً هو العكس، حيث انكفأت الأحزاب وسكنت في هامش المشهد، وتركت المجال للنقاشات الفردية أو الإعلامية غير المؤطرة، ما أضعف من فكرة العمل الحزبي المنظم كركيزة للتحديث السياسي.
هذا الواقع يعيد طرح سؤال جوهري حول طبيعة الأحزاب القائمة اليوم، هل هي فعلاً أحزاب سياسية بالمعنى المؤسسي، أم أنها مجرد أطر انتخابية موسمية؟
وسبب هذا السؤال بهذه الحدة هو أن السلوك الذي أظهرته خلال الأزمة يوحي بأنها أقرب إلى (أحزاب مناسبات)، تنشط فقط في مواسم الانتخابات، وتغيب في اللحظات التي تتطلب إنتاجاً سياسياً حقيقياً، وهذا النمط من العمل لا ينسجم مع متطلبات مرحلة إقليمية معقدة، تتطلب أحزاباً قادرة على الاشتباك مع الملفات الكبرى، وليس الاكتفاء بالشعارات العامة.
الأثر الأعمق لهذا الغياب لا يقتصر على ضعف الأحزاب نفسها، بل يؤثر على صورة ونموذج مشروع التحديث السياسي، فغياب الفعل الحزبي عن لحظات الأزمة يفرغ العملية السياسية من مضمونها التعددي، ويعيد إنتاج نمط سياسي يعتمد على الدولة أو النخب غير الحزبية في إدارة النقاش العام، وهذا بدوره، وإن كان حلاً طارئاً للتعامل مع المراحل الحرجة، إلا أنه في ذات الوقت يحد من تطور الحياة السياسية، ويؤخر بناء ثقافة سياسية قائمة على البرامج والأفكار.
ما حدث خلال الفترة الماضية من غياب ملحوظ للأحزاب، لا يمكن قراءته باعتباره حادثة عابرة، بل هو مؤشر على خلل بنيوي في منظومة الأحزاب في الأردن، وإذا لم تتم مراجعة هذا الواقع بجدية، من داخل الأحزاب، فإن السؤال حول جدوى الأحزاب سيبقى مفتوحاً، ليس فقط على المستوى النظري، بل في وعي المجتمع نفسه، الذي قد يفقد ثقته تدريجياً بقدرة هذه الأحزاب على تمثيله في لحظات الانتخابات.