النسخة الكاملة

مضيق هرمز… من سيولة الماء إلى الصراع الجيوسياسي

الخميس-2026-04-09 12:45 pm
جفرا نيوز -
البرفسور عبدالله سرور الزعبي/ مركز عبر المتوسط للدراسات الاستراتيجية

لم يكن مضيق هرمز يومًا مجرد ممرٍ مائي تعبره ناقلات النفط، بل كان، ولا يزال، أحد أكثر مفاصل الجغرافيا السياسية حساسية في العالم، وكأنه تجسيد حيّ لما رآه ماكيندر، حين ربط بين الجغرافيا والسلطة، كنقطة التقاء المكان بالقوة. هنا، حيث يضيق البحر وتتسع الحسابات، لا تُقاس الأهمية بالمسافة، بل بما يمر عبرها من طاقة، وما تتشكل حولها من توازنات. فالمضيق، في جوهره، ليس ممرًا، بل معادلة قوة تُختبر فيها حدود النفوذ وتُعاد فيها صياغة قواعد النظامين الإقليمي والدولي معًا.

منذ الإمبراطوريات القديمة، لم يكن هذا الممر حياديًا، بل كان امتدادًا لفكرة السيطرة ذاتها. ومع صعود الإمبراطوريات البحرية، ثم دخول العالم عصر النفط، تحوّل إلى ما يشبه "العصب المركزي للاقتصاد العالمي"، ينقل ما يقارب خُمس تجارة الطاقة العالمية. وقد تعاملت الولايات المتحدة لعقود مع هرمز بوصفه "ممرًا دوليًا مفتوحًا"، في انسجام مع منطق الهيمنة البحرية الذي ناقشه ألفرد ماهان، حيث السيطرة على البحار تعني السيطرة على موازين القوة. لكن هذا "الانفتاح" لم يكن يومًا حقيقة مطلقة، بل توازنًا دقيقًا بين الردع والردع المضاد، وهو ما يجعل من هرمز نموذجًا حيًا لفكرة أن "النظام الدولي ليس إلا تعبيرًا عن توازن القوى"، كما أكد هنري كيسنجر.

في السياق الراهن، تؤكد تحليلات المقالات السابقة "سقوط إيران… ما بين وهم الارتياح الجيوسياسي وخطر السيولة الجيواستراتيجية" (15/1/2026)، و"الحرب لم تبدأ بعد…مرحلة الحسم أخطر من الصواريخ" (28/2/2026)، و"نهاية بلا نهاية…ماذا لو لم يسقط النظام الإيراني" (3/3/2026)، تبين أن المنطقة لا تتجه نحو حسم تقليدي، بل نحو إعادة تشكيل عميقة. فالخطر لا يكمن فقط في قوة الخصوم، بل في الفراغ الذي قد يخلّفه غيابهم أو في صلابتهم إذا أعادوا إنتاج أنفسهم تحت الضغط. وهو ما كان يحذر منه بريجنسكي حين قال "أخطر ما في الجغرافيا السياسية ليس الصراع ذاته، بل الفراغ الذي يليه".

وقف إطلاق النار في الحرب الأمريكية-الإسرائيلية-الإيرانية، حتى وإن بدأت لحظة تهدئة، لا يعني نهاية الحرب، بل انتقالها إلى طور أكثر تعقيدًا. فبعد أربعين يومًا من الضربات، بدأ الإقليم يعيد تقييم نفسه، ويدخل مرحلة تفاوض على قواعد جديدة. لم يُغلق المضيق، لكنه لم يعد "مفتوحًا مجانًا"، بل أصبح "مفتوحًا بشروط"، في تحول جوهري من حرية ملاحة مفترضة إلى حرية ملاحة مُعاد التفاوض عليها. وكأن الجغرافيا نفسها تحولت إلى أداة تفاوض، في تجسيد معكوس لما قاله كارل فون كلاوزفيتز بأن الحرب استمرار للسياسة بوسائل أخرى.

الولايات المتحدة تطرح اليوم مسألة "ضمان حرية الملاحة" وكأنها تستعيد وضعًا قائمًا، بينما الواقع يشير إلى العكس. فالمضيق لم يكن مغلقًا ليُفتح، بل كان دائمًا ساحة توازن. وما تسعى إليه واشنطن هو إعادة تثبيت تعريفه كمجال خاضع للهيمنة، في وقت تتآكل فيه القدرة تدريجياًعلى فرض هذا التعريف بشكل أحادي. 

بينما إيران، رغم ضعفها التكتيكي، الا انها اتجهت إلى مسار اكثر تعقيداً، هندسة شروط الانفتاح، مؤكدة منطق "الصبر الاستراتيجي"، الذي لطالما حكم سلوكها، حيث التراجع التكتيكي، لا يعني نهاية المشروع، بل إعادة تموضعه، للالتقاط الانفاس. وهكذا، تتحقق فكرة هوبز بأن "النظام لا يقوم على غياب الصراع، بل على تنظيمه".

وهكذا، تتشكل معادلة جديدة، إيران، تنظر إلى المضيق كورقة سيادية قابلة لإعادة التفعيل كلما تبدلت موازين القوة. ومع كل أزمة، كانت تعود المعادلة ذاتها، المضيق مفتوح، لكنه، ليس بلا كلفة سياسية؛ ولا خارج القدرة على إعادة تعريفه، وحرية الملاحة مستتمرة، لكن ضمن توازن ردع يفرض حضور إيران في كل معادلة. إنه ما يمكن تسميته "نصر البقاء الاستراتيجي"، ليس نصر الحسم، بل نصر منع الحسم. 

هذا التحول يتجاوز هرمز ذاته، ليعكس مرحلة السيولة الجيوسياسية في المنطقة، حيث لم تعد الحروب تُحسم، بل تُدار، ولم تعد الممرات تُغلق، بل يُعاد تعريفها، وهو ما تسعى ايران للحصول عليه، للفوز بالاعتراف بالسيادة على المضيق. لم تعد الصواريخ وحدها تصنع النتائج، بل ما يتراكم تحتها من ضغوط اقتصادية، وتحولات ديموغرافية، وصراعات على الممرات. وفي هذا السياق، تصبح ساحات مثل اليمن ولبنان والعراق امتدادًا مباشرًا لهذه المعادلة.

الهجمات الإسرائيلية الموسعة على الأراضي اللبنانية تمثل محاولة لإعادة رسم قواعد الاشتباك مع ايران من خلال حزب الله، 
ليس فقط عبر استنزاف قدراته العسكرية، بل عبر دفعه إلى اختبار صعب بين الانخراط في مواجهة مفتوحة قد تدخل لبنان في ازمة صراع داخلي اعمق، وقد تجر المنطقة إلى تصعيد شامل، أو القبول بضبط إيقاعه ضمن سقف دولي وإقليمي مرسوم بدقة.
هذا التصعيد يضع لبنان في قلب معادلة "الضغط البديل"، حيث يُستخدم كمساحة لتفريغ التوتر الناتج عن توقف المواجهة مع إيران.

 فبدل أن يكون وقف إطلاق النار مدخلًا للاستقرار، يتحول إلى أداة لإعادة توزيع بؤر الصراع، ما يعني أن لبنان قد يشهد مرحلة من الضربات المركزة التي تهدف إلى تقويض توازن الردع. وفي هذا السياق، لن يكون الحزب أمام خيار سهل؛ في ظل الانقسام البناني الداخلي. إذ إن ما يجري، واذا لم تفعل جبهات اخرى، قد يفرض عليه تراجعًا تدريجيًا في قواعد الاشتباك. لكنه يبقى لاعبًا في الداخل البناني، حتى ولو ضعف، وعنصر فاعل بين الضغط الخارجي وحسابات القوة البنانية الداخلية، ولو مرحلياً.

انعكاسات هذا المشهد لن تبقى محصورة داخل لبنان، بل ستمتد إلى مجمل الإقليم، من اليمن حيث يعيد الحوثيون تموضعهم بين التصعيد والتهدئة، إلى العراق الذي سيبقى ساحة مناورة بين الدولة والنفوذ الإيراني، الحاضر  عبر القنوات السياسية والاجتماعية والعسكرية، وهو ما يتوافق مع ما قاله هاس "غياب الصراع المباشر لا يعني انتهاء النفوذ، بل تحوله إلى أداة أكثر دقة وأقل وضوحًا".

أما على المستوى الاستراتيجي الأوسع، فإن الضغط على لبنان يتقاطع مع معادلة أمن الممرات الحيوية، وعلى رأسها مضيق هرمز، إذ إن إضعاف أذرع إيران الإقليمية يُقرأ كجزء من محاولة تقليص قدرتها على استخدام هذه الأوراق في أي تصعيد مستقبلي يتعلق بأمن الطاقة العالمي. وبالتالي، فإن ما يجري في لبنان اليوم ليس مجرد جولة تصعيد حدودية، بل حلقة مركزية في إعادة تشكيل توازن القوى الإقليمية، حيث تُختبر حدود الردع، وتُعاد صياغة أدوار الفاعلين، على وقع هدنة هشة تخفي تحتها صراعًا مفتوحًا بأدوات مختلفة. 

كما أشار شانون "السلام الجزئي غالبًا ما يكون البداية لإعادة توزيع النفوذ وليس نهايته".
السعودية، ودول الخليج، تواجه معادلة مركبة؛ فهي الأكثر ارتباطًا باستقرار المضيق، والأكثر عرضة لأي اهتزاز فيه، فتتحرك ضمن توازن دقيق، مع إعادة النظر في الشراكات الأمنية، وإبقاء قنوات التهدئة مفتوحة، وبناء شبكة تحالفات أكثر مرونة. 

الرهانات الأحادية لم تعد مجدية في عالم سريع التغير، ويفرض إدارة متعددة للمخاطر، والتي أصبحت الخيار الافضل.
الأردن، بقيادة الملك عبد الله الثاني، يقدم نموذجًا مختلفًا، القدرة على إدارة التوازنات في لحظات السيولة، تمثل افضل أداة للصمود. النجاح لا يكمن في الانخراط المباشر، بل في إدارة المخاطر والسيولة الاستراتيجية، وفق ما قال ريمون آرون "الحكمة في السياسة الدولية ليست في الانتصار الدائم، بل في تجنب الخسائر". الأردن يحوّل الحياد الاستراتيجي إلى أداة لإدارة المخاطر، ويثبت أنه يمكن لدولة صغيرة نسبيًا أن تؤثر في رسم التوازنات الإقليمية.

الخلاصة، المنطقة تتحرك من منطق "إدارة الأزمات" إلى منطق "إعادة هندسة التوازن"، ومن حروب تُحسم إلى صراعات 
تُدار. لم تعد القوة تُقاس بكمية الصواريخ، بل في القدرة على فرض الشروط دون إعلان، وعلى القدرة بالتاثير في إعادة تعريف النظام الإقليمي، وتحويل الفراغ إلى أداة للتفاوض. اليمن ولبنان والعراق هم ساحات اختبار، والخليج مستهدف، والأردن نموذج لإدارة التوازن.  

وفي النهاية، لم يعد السؤال، هل مضيق هرمز مفتوح أم مغلق؟ بل، من يملك تعريف "الانفتاح" ذاته؟ إيران لم تُغلق المضيق، لكنها نزعت عنه صفة "المجانية"، والولايات المتحدة لم تفقد حضورها، لكنها لم تعد قادرة على فرض تعريفها منفردة. أما الخليج فيتحرك بين هذين الحدّين، بينما يحوّل الأردن حياده الاستراتيجي إلى أداة لإدارة المخاطر. هنا، يصبح هرمز ليس مجرد ممر، بل اختبارًا لنظام دولي، تتقاطع فيه أسواق الطاقة، وسلاسل الإمداد، والاستراتيجيات الدولية والاقليمية، وينتقل من الهيمنة إلى التفاوض، ومن السيطرة إلى الشروط.

في الجغرافيا السياسية، لا ينتصر من يُغلق الممرات، بل من يعيد تعريفها، ولا يُقاس النفوذ بمن يسيطر على الجغرافيا، بل بمن يفرض قواعد استخدامها. والحرب، في هذا السياق، لم تنتهِ بعد؛ ما جرى بعد أربعين يومًا من الضربات ليس إلا بداية مرحلة جديدة. القوى الكبرى لا تسعى إلى الحسم، بل إلى إدارة التوازن ومنع الانهيار. ومن ينجح في فرض شروطه، لا يتحكم بالمضيق فحسب، بل يعيد رسم حدود القوة والنفوذ، ويحدد مسار الإقليم لعقود قادمة، وربما يعيد توجيه التاريخ ذاته.
© جميع الحقوق محفوظة لوكالة جفرا نيوز 2024
تصميم و تطوير