جفرا نيوز -
فراس زقطان / الأردن
لطالما آمنتُ بأن المسرح هو الفن الأكثر عصياناً على المحو، وقدرةً على الصمود في وجه طوفان الشاشات والمنصات الرقمية, فثمة جوهر لا يمكن استنساخه في ذلك اللقاء الحي الذي يجمع الممثل بالجمهور، حيث تولد اللحظة وتفنى في الآن ذاته، مانحةً العرض تلك "الهالة" التي تقاوم التكرار الآلي وتجعل من كل ليلة تجربة فريدة بحد ذاتها.
لكننا اليوم وأمام التسارع المذهل لتقنيات الذكاء الاصطناعي، نجد أنفسنا مضطرين لمواجهة سؤال ملحّ: هل يمثل هذا التطور تهديداً لوجود الفنان، أم أنه مجرد أداة إضافية في حقيبته الإبداعية؟
إن الإجابة ليست بالبساطة التي قد نتصورها، فالخطر الحقيقي لا يكمن في الآلة وقدراتها الفائقة على المحاكاة، بل في طبيعة استجابتنا نحن لهذه التحولات. فالآلة مهما بلغت دقتها الخوارزمية، تفتقر إلى تلك "الشرارة الإنسانية", لا يمكنها أن تعيش توتر الخشبة، أو ترتبك ارتباكاً خلاقاً يتحول فجأة إلى لحظة إبداع مدهشة. ومع ذلك فإن الفنان الذي يختار الانكفاء وتجاهل هذه الأدوات قد يجد نفسه خارج السياق الزمني، ليس لأن التكنولوجيا حلّت محله، بل لأنه فوّت فرصة إعادة تعريف أدواته وتوسيع آفاق خياله.
من هذا المنطلق، يغدو التدريب المسرحي اليوم أمام استحقاق جديد, فلم يعد كافياً الركون إلى تمارين الجسد والصوت كأدوات معزولة، بل أصبح فهم "لغة العصر" ضرورة مهنية. لا يُطلب من المسرحي أن يتحول إلى مبرمج، بل عليه أن يمتلك فضولاً معرفياً يجعله يتساءل: كيف يمكن لهذه التقنيات أن تشتبك مع العرض؟ وما هي القيمة المضافة التي تقدمها لعمق التجربة لا لشكلها البصري فقط, إن هذه الأسئلة الفنية أصبحت اليوم توازي في أهميتها تمارين "النفس" والحركة فوق الخشبة.
وبالنظر إلى واقعنا المسرحي المحلي، نجد أن التجارب التي تقترب من هذا المختبر التقني ما زالت خجولة، ولعل ذلك لا يعود فقط لقلة الإمكانيات المادية، بل لحالة من الاستنزاف العام, حيث تستهلك التفاصيل الإدارية المنهكة والصراعات الجانبية طاقة الفنان، مما يجعل المغامرة الجمالية تبدو ترفاً مؤجلاً لوقت "أفضل" قد لا يجيء أبداً. لكن التأجيل هنا هو مقامرة بالخسارة، فنحن لا نحتاج بالضرورة إلى استثمارات ضخمة، بل إلى جرأة التجريب في مساحات صغيرة، واعتبار التكنولوجيا جزءاً عضوياً من البناء الدرامي والسينوغرافي، لا مجرد "قشرة" تجميلية تُضاف إلى بناء تقليدي قديم.
في نهاية المطاف، سيظل المسرح هو المساحة الأسمى لاختبار هشاشة الإنسان وقوته، ولن نحتاج للخوف من الذكاء الاصطناعي إذا ما حافظنا على التوازن الصعب بين صون جوهر التجربة الإنسانية والانفتاح على كل ما يمدد حدودها. فالسؤال الحقيقي الذي يواجهنا اليوم ليس: هل ستأخذ الآلة مكاننا؟ بل: هل نملك الشجاعة الكافية لنعيد التفكير في أنفسنا وفي فننا، في ظل عالم يعيد تشكيل نفسه كل لحظة؟