النسخة الكاملة

حين يُصبح الصمت سلوكا رسميا!

الأحد-2026-03-01 12:25 am
جفرا نيوز -
الدكتور نضال المجالي

في عالم التربية، يعلّموننا أن "الاستماع الصامت” مهارة راقية، يمارسها المتعلم الواعي الذي يصغي لا ليرد، بل ليفهم. لكنني حين تذكرت اني سمعت الأستاذ الدكتور عدنان العتوم يتحدث في مؤتمر علمي خارج الأردن قبل أشهر عن هذا المفهوم بوصفه واحدا من أقل العناوين بحثا بين أكثر من 1200 عنوان دراسي لطلبة الماجستير، أدركت أننا نعيش أزمة تربوية بحجم الميكروفون الرسمي نفسه!

فالاستماع الصامت، كما عرفته علوم التربية، هو لحظة وعي تتركز فيها العقول قبل الألسنة، ويتقدّم فيها الفهم على الانفعال. أما في الواقع العام، فقد تحول هذا المفهوم التربوي إلى مهارة سياسية واجتماعية متقدمة يمارسها كثير من المسؤولين، خصوصا عند سماعهم خطابا أو توجيها من مستويات عليا. ترى العيون محدقة، والرؤوس تهتز بالموافقة، والدفاتر مفتوحة لتدوين "شيء ما” — لكن لا أحد يدري ماذا فُهم، وماذا سينفَّذ.

وفي لحظة التقييم، يخرج الجميع بالعبارة ذاتها: توجيهات سديدة… سنعمل على ترجمتها على أرض الواقع! ثم يعود كل منهم إلى مكتبه ليمارس هوايته المفضلة: الاستماع الصامت… للأبد!

ولعل المفارقة الأشد وضوحا تظهر حين ينتقل بعض الفاعلين من موقع حزبي او مجتمعي متقدم، طالما امتلأ بالخطاب والحماسة والمواقف المجتمعية العالية الصوت الصادق المنتج، إلى موقع رسمي يفرض لغة مختلفة وسلوكا أكثر تحفظا. هناك، يتحول الخطاب من النقد إلى الصمت الرسمي، ومن المبادرة إلى الانتظار، ومن الفعل إلى الإصغاء الطويل الذي لا يعقبه فعل. وكأن المنصب الرسمي لا يمنح سلطة القرار بقدر ما يمنح مهارة الصمت المؤسسي.

ليس العيب في الانتقال ذاته؛ فخدمة الدولة شرف ومسؤولية. لكن الإشكالية تبدأ عندما يصبح الصمت بديلا عن الموقف، وعندما يُفهم القبول بالمنصب على أنه نهاية الدور لا بدايته. فالمجتمع والمنصب لا يحتاج مسؤولين يجيدون الإصغاء فقط، بل من يحوّلون الفهم إلى قرارات، والتوجيه إلى أثر ملموس.

وهكذا تحول المفهوم التربوي الراقي إلى رمز للجمود الإداري. فبينما يُدرَّس في كليات التربية باعتباره مهارة للفهم والتفاعل، صار في الواقع عنوانا لغياب الفعل. إنهم يسمعون ولا يصغون، يبتسمون ولا يتفاعلون، وكأن الصمت عندهم ليس وقارا بل سياسة.

ومن المثير أن المفهوم ذاته يحمل وجها آخر في التربية الخاصة؛ إذ يُعد الاستماع الصامت عند بعض فئات صعوبات التعلم مؤشرا سلبيا يدل على العجز عن معالجة المعلومة أو تحويلها إلى استجابة. فالصمت هناك ليس تفكّرا، بل عجزا عن التواصل يحتاج تدخلا علاجيا. وهنا المفارقة المؤلمة بين صمت ناتج عن ضعف إدراكي يُعالج بالتربية، وصمت ناتج عن ضعف إداري يُعالج… بالاستمرار في الصمت!

فيا ليتنا نعود إلى الأصل التربوي الجميل: أن نصغي لنتعلم، لا أن نصمت لنتخلص من المسؤولية. فالصمت الحقيقي فضيلة حين يسبق الفهم، لكنه يتحول إلى رذيلة حين يُستخدم وسيلة للهروب من الفعل. وبين صمت المتعلم وصمت المسؤول، فارق بسيط جدا… هو مقدار الصدق في النية، والإرادة في التنفيذ.
© جميع الحقوق محفوظة لوكالة جفرا نيوز 2024
تصميم و تطوير