النسخة الكاملة

الضمان الاجتماعي ليس اقتصاداً فقط… بل كرامة مواطن وامان وطن

الأربعاء-2026-02-25 12:07 am
جفرا نيوز -


الاستاذ الدكتور رضوان عبدالله الوشاح
على هامش ما يتم تداوله حول تعديلات قانون الضمان الاجتماعي، لم تعد هذه القضية شأناً مالياً يُناقش بلغة العجز والفائض، ولا مسألة تقنية تختزل في جداول اكتوارية وأرقام موازنات. لقد تجاوزت كل ذلك لتلامس جوهر العلاقة بين الدولة والمجتمع، بين العامل ووطنه، بين سنوات التعب الطويلة ووعد الأمان في آخر الطريق.
فالضمان الاجتماعي ليس مجرد صندوق مالي، بل هو عقدٌ أخلاقي قبل أن يكون التزاماً قانونياً. هو وعدٌ غير مكتوب بأن سنوات العمل لن تنتهي بخوفٍ من العوز، ولا بقلقٍ من المرض، ولا بارتباكٍ أمام تحديات الشيخوخة. إنه التعبير العملي عن العدالة بين الأجيال، وعن إيمان المجتمع بأن الكرامة لا تسقط بالتقاعد، وأن من أعطى وطنه شبابه لا يُترك في شيخوخته وحيداً.
وحين يُطرح أي تعديل يمسّ منظومة الضمان، فإن الأمر لا يُقرأ في وجدان الناس بوصفه إجراءً إصلاحياً محايداً، بل يُستقبل باعتباره مساساً مباشراً بالأمان الشخصي والأسري. فالضمان بالنسبة للمواطن ليس بنداً مالياً في قانون، بل صمّام أمان، وحصيلة أعوامٍ من الاقتطاع والالتزام، وانتظارٍ صامت لوعدٍ مؤجل.
الخطورة لا تكمن في فكرة الإصلاح بحد ذاتها، بل في طريقة مقاربته. فالإصلاحات التي تمسّ الحماية الاجتماعية إن لم تُبنَ على حوارٍ وطني شفاف، وتدرّجٍ عادل، ورؤيةٍ متوازنة تجمع بين الاستدامة المالية والعدالة الاجتماعية، فإنها قد تُضعف الثقة المؤسسية، وهي رأس المال الأثمن لأي دولة تسعى إلى الاستقرار.
نعم، الحفاظ على استدامة صناديق الضمان هدف مشروع وضروري، لكن الاستدامة لا تتحقق فقط عبر تشديد الشروط، أو رفع سنّ التقاعد، أو تقليص المنافع. الاستدامة الحقيقية تبدأ بتوسيع قاعدة الاشتراك، وتحفيز الاقتصاد المنتج، ومحاربة التهرب، وتعزيز كفاءة الإدارة والاستثمار. فالحلول السريعة مالياً قد تكون باهظة الكلفة اجتماعياً.
المجتمعات لا تُقاس بقوة أرقامها فقط، بل بمدى شعور أفرادها بالأمان. والأمان لا يقتصر على الأمن المادي، بل يشمل الأمن الاجتماعي. حين يطمئن المواطن إلى أن شيخوخته مصونة، وأن مرضه مغطّى، وأن عائلته لن تُترك لمجهول الحاجة، فإنه يصبح أكثر إنتاجاً، وأكثر انتماءً، وأكثر ثقة بدولته.
الضمان الاجتماعي ليس عبئاً على الدولة، بل هو استثمار في الاستقرار الوطني. وأي مقاربة له يجب أن تنطلق من فهم عميق بأن الكرامة ليست بنداً قابلاً للتخفيض، وأن الثقة إذا تآكلت يصعب ترميمها.
المطلوب اليوم ليس رفض الإصلاح، بل إعادة تعريفه. إصلاحٌ يحمي الفئات الأكثر هشاشة، ويصون حقوق من اقتربوا من التقاعد، ويُشرك المجتمع في النقاش، ويُقدّم أرقاماً واضحة بلا التباس، ويضع العدالة في قلب المعادلة.
فحين يُمسّ الضمان، يُمسّ الشعور بأن للتعب ثمناً عادلاً. وحين يُدار هذا الملف بحكمة، يتحول إلى ركيزة استقرار. أما إذا أُسيء التعامل معه، فإنه لا يعدّل قانوناً فحسب… بل يهزّ عصب مجتمعٍ كامل.
إنها ليست قضية اقتصاد فقط…إنها قضية كرامة مواطن… وامان وطن.
© جميع الحقوق محفوظة لوكالة جفرا نيوز 2024
تصميم و تطوير