جفرا نيوز -
كتب: ناصر محمد الحجايا
في ظل التوجهات الوطنية نحو تحديث القطاع العام وتعزيز كفاءة الإدارة المحلية، جاءت مسودة قانون الإدارة المحلية لسنة 2026 لتشكل محطة مفصلية في مسار تطوير البلديات ومجالس المحافظات، ولتعكس رؤية الدولة الأردنية في الانتقال من الإدارة التقليدية إلى الإدارة التنموية الحديثة القائمة على الحوكمة والتخطيط والشراكة المجتمعية.
هذه المسودة لم تأتِ بصورة ارتجالية أو معزولة عن الواقع، بل جاءت نتيجة مشاورات واسعة وحوارات امتدت لفترة طويلة مع اللجان النيابية والجهات المختصة والقطاعات المعنية، منسجمة مع مخرجات اللجنة الملكية لتحديث المنظومة السياسية، وملتزمة بما ورد في كتاب التكليف السامي لجلالة الملك عبدالله الثاني للحكومة بشأن مراجعة وتجويد التشريعات الناظمة للإدارة المحلية، إضافة إلى ما تضمنه البيان الوزاري للحكومة في هذا الإطار.
ومن يقرأ مواد مشروع القانون بعمق يدرك أن الهدف لم يعد مقتصراً على تقديم الخدمات التقليدية فقط، بل يتجاوز ذلك إلى تمكين البلديات من لعب دور تنموي واستثماري حقيقي، ينعكس بصورة مباشرة على تحسين مستوى الخدمات وتعزيز التنمية المحلية وخلق فرص العمل.
ولعل من أبرز ما يميز مسودة القانون أنها عملت على تحديد صلاحيات المجالس البلدية ومجالس المحافظات والمجالس التنفيذية والإدارة التنفيذية بشكل واضح ودقيق، بما يمنع تداخل الصلاحيات ويعزز وضوح المسؤوليات، وهي من أبرز الإشكاليات التي عانى منها قطاع الإدارة المحلية خلال السنوات الماضية.
كما أولت المسودة اهتماماً واضحاً بمفهوم الحوكمة المؤسسية، من خلال استحداث لجان متخصصة داخل البلديات، مثل لجنة الحوكمة والمتابعة المؤسسية، ولجنة الاستملاك، ولجنة العطاءات والمشتريات، بهدف تعزيز جودة القرار البلدي والحد من الارتجالية في اتخاذ القرارات، بما ينعكس إيجاباً على الأداء المؤسسي ويرفع مستوى الشفافية والرقابة.
ومن النقاط اللافتة أيضاً، منح البلديات صلاحيات أوسع لعقد شراكات استثمارية مع القطاع الخاص ومؤسسات المجتمع المدني، وإنشاء وإدارة مشاريع تنموية وخدمية ضمن اختصاصها، وهو توجه مهم من شأنه أن يخفف العبء المالي عن البلديات ويمنحها قدرة أكبر على تنمية مواردها الذاتية.
كما تضمنت المسودة معالجة عملية لعدد من الثغرات التي ظهرت أثناء تطبيق قانون الإدارة المحلية الحالي، وهي ملاحظات جاءت كتغذية راجعة حقيقية من الميدان ومن واقع التجربة العملية، الأمر الذي يعكس جدية في تطوير التشريع بما يتلاءم مع احتياجات المرحلة المقبلة.
وفي جانب الإدارة والرقابة، ألزم مشروع القانون المدير التنفيذي بتقديم تقارير شهرية للمجلس البلدي حول الأداء المالي والإداري وسير العمل، بما يعزز الرقابة والمتابعة ويُبقي المجلس على اطلاع دائم بواقع البلدية.
كذلك نصت المسودة على إنشاء وحدة رقابة داخلية ترتبط بالمجلس البلدي، تتولى متابعة الأداء المالي والإداري، بما يسهم في رفع كفاءة العمل وتعزيز النزاهة المؤسسية.
أما على صعيد المشاركة المجتمعية، فقد تبنت المسودة نهجاً أكثر انفتاحاً من خلال تشكيل لجان الأحياء، بهدف إشراك المواطنين في صناعة القرار المحلي وتحديد الأولويات الخدمية والتنموية، بما يعزز مفهوم التشاركية بين البلدية والمجتمع المحلي.
وفي خطوة تعكس التوجه نحو تعزيز الكفاءة، وضعت المسودة شروطاً علمية للترشح لرئاسة وعضوية المجالس البلدية، بحيث تكون الشهادة الجامعية شرطاً لبلديات الفئة الأولى، والثانوية العامة للفئتين الثانية والثالثة، انسجاماً مع متطلبات المرحلة الحالية وحجم المسؤوليات الملقاة على عاتق المجالس المحلية.
كما حملت المسودة بعداً إصلاحياً مهماً من خلال منح الموظفين الراغبين بالترشح فرصة الحصول على إجازة لمدة 90 يوماً بدلاً من الاستقالة، بما يفتح المجال أمام الكفاءات والشباب والمرأة للمشاركة في العمل العام دون خسارة وظائفهم.
إن القراءة المتأنية لمسودة قانون الإدارة المحلية تؤكد أننا أمام مشروع إصلاحي يسعى إلى بناء إدارة محلية أكثر كفاءة ومرونة وقدرة على الاستجابة للتحديات التنموية والخدمية، ويؤسس لمرحلة جديدة تقوم على الحوكمة، والتخطيط، والمساءلة، والشراكة مع المجتمع.
ويبقى نجاح هذا القانون مرهوناً بحسن التطبيق، ووجود إرادة حقيقية لترجمة النصوص إلى واقع عملي يلمسه المواطن في مستوى الخدمات والتنمية والعدالة في توزيع المشاريع، لأن التشريعات مهما بلغت جودتها تبقى بحاجة إلى إدارة قادرة على تنفيذها بروح المسؤولية والانتماء والعمل المؤسسي.