تفاصيل صغيرة.. لمشاريع كبيرة

عوني الداوود

في المشاريع الكبرى كل شيء يستحق التوقف عنده، لأنّ بعض التفاصيل التي قد يعتقد - أو يراها البعض - أنها صغيرة قياسًا بالعناوين الرئيسية الكبرى للمشروع، هي كبيرة وكبيرة جدًا حين نمعن دراستها.

أنا هنا أشير إلى التفاصيل التي تمّ الإعلان عنها أمس الأول الثلاثاء حول مشروعي: الناقل الوطني للمياه، وسكة حديد العقبة.. واللذين تحدث رئيس الوزراء حول أهميتهما للاقتصاد الوطني، وكل ما يتعلق بمواصفات كل مشروع وحجم الاستثمار، والبرامج التنفيذية، إضافة إلى الجدوى الاقتصادية لكل مشروع.

في هذا المقال، أودّ تسليط الضوء على تفاصيل جديرة، بأن لا نمرّ عليها مرور الكرام، لأنها تفاصيل ذات دلالات وأبعاد سياسية واقتصادية، أكبر بكثير مما يراها البعض.. وللدلالة على ما أقول أسلّط الضوء على التفاصيل التالية:

1 - سيتم تمويل المشروع من قبل (29) جهة مانحة ومؤسسة تمويلية، بإجمالي منح تُقدّر قيمتها بـ (663) مليون دولار. ماذا يعني ذلك؟ يعني وبكل بساطة أن الأردن، ورغم كل الظروف والتحديات التي تمر بها المنطقة، حظي بثقة (29) جهة مانحة ومؤسسة تمويلية تؤمن بالأردن قيادةً ومؤسساتٍ وشعبًا، وتقدّم له هذا الحجم من التمويل لمشروع وطني مستقبلي سيمتد تنفيذه حتى العام 2030.

موافقة (29) جهة مانحة ومؤسسة تمويلية على تقديم أكثر من نصف مليار دولار لهذا المشروع، دليل أكيد على الثقة بالأردن، وعلى «جدوى» هذا المشروع، لأنّ رأس المال لا يجامل، ولا يلقي أمواله دون دراسة وقناعة ويقين بجدوى المشروع وعوامل نجاحه.

هناك جهات أخرى ساهمت ودعمت ودفعت نحو (2.9) مليار دولار، كتمويل من القطاع الخاص لشركة ميريديام من عدد من مؤسسات التمويل الدولية، وكل هذه الجهات لا تجامل، وتعرف من هي شركة ميريديام العالمية وما تستحقه من دعم في هذا المشروع.

2 - وما دمنا نتحدث عن أرقام التمويل، فلا بد من الإشارة إلى أن الحكومة التي كانت تتحدث - في موازنات سابقة - عن دعم سنوي بحدود (50) مليون دينار وبإجمالي (250) مليون دينار على مدى (5) سنوات، تقرّر اليوم، وبقوة، تمويل المشروع بقيمة 722 مليون دولار، وهو أكبر إنفاق من الموازنة لأي مشروع رأسمالي على الإطلاق، والهدف: تقليل كلف سعر المتر المكعب من المياه خلال فترة تنفيذه.

3 - صندوق استثمار أموال الضمان الاجتماعي مشارك بقوة في المشروع وبطريقتين:

أ)- سيساهم صندوق استثمار أموال الضمان الاجتماعي في التمويل المقدم من تحالف البنوك التجارية الأردنية الذي يقوده بنك الإسكان، بتمويل يصل إلى 1.1 مليار دولار أميركي.

ب)- كما سيساهم صندوق استثمار أموال الضمان الاجتماعي أيضًا في المشروع كشريك مساهم (بنسبة 15 %) في رأس مال المشروع مع شركة ميريديام الفرنسية للاستثمارات الدولية.

وبذلك يكون صندوق أموال الضمان مساهمًا رئيسًا في المشروع مساهمةً مباشرةً في رأس المال ومن خلال تحالف البنوك.

4 - أما مشروع «سكة حديد ميناء العقبة» الذي تمّ توقيعه مؤخرًا بشراكة مع الأشقاء في دولة الإمارات العربية المتحدة وبحجم استثمار (2.3) مليار دولار، فإن أهميته تكمن في العديد من النقاط من أهمها:

أ)- جعل العقبة نقطة ارتكاز مهمة إقليميًا وعالميًا، ويجعل منها حجر الزاوية لشبكة قطارات إقليمية وعالمية.. تربط مبدئيًا بين ثلاث قارات (آسيا وإفريقيا وأوروبا).

ب)- يفتح آفاق الربط السككي المباشر مع الأشقاء في المملكة العربية السعودية وصولًا إلى سوريا الشقيقة، ثم إلى تركيا الصديقة وباقي دول القارة الأوروبية.

5 - كلا المشروعين ستكون لهما علاقة بقطاع الطاقة، فمن أجل مشروع الناقل الوطني على سبيل المثال سيتم إنشاء حقول للطاقة الشمسية بطاقة إنتاجية تُقدّر بنحو 300 ميجاواط، ما يشكل 30% من احتياجات المشروع للطاقة.

6 - المشروعان يُعدّان من أهم المشاريع الواردة في رؤية التحديث الاقتصادي، ويحتلان أولوية وطنية قصوى.. الأول لتعزيز الأمن المائي الوطني، والآخر لتعزيز الربط السككي والتكامل الإقليمي.

7 - كلا المشروعين سيولّدان مشاريع موازية:

أ)- مشروع الناقل الوطني: سترافقه إجراءات مهمة في سبيل تحقيق الأمن المائي، كتقليل الفاقد، وترشيد الاستهلاك، وإدخال وسائل وتقنيات جديدة لتوفير المياه.

ب)- مشروع سكة حديد العقبة: لا بد من العمل على ربط مسار السكة من الشيدية بوصلة تمتد لمنطقة معان التنموية بطول 42 كم.

**باختصار:

مشروعان هما الأكبر في تاريخ المملكة، بإجمالي استثمار يزيد على 8 مليارات دولار للمشروعين، والإعلان عنهما في هذا التوقيت، يؤكد قوة الأردن ومنعته الاقتصادية، وأنه ماضٍ بكل عزيمة وثبات لتنفيذ أهداف رؤية التحديث الاقتصادي، وصولًا إلى رضا المواطن وتحسين معيشته.