جفرا نيوز -
إسماعيل الشريف
الابتزاز الجنسي للقاصرين يُعدّ من أسرع الجرائم نمواً التي تستهدف الأطفال عبر الإنترنت- المركز الوطني الأمريكي للأطفال المفقودين والمستغلين.
هزّت قضية الاعتداء على أطفالٍ مجتمعَنا وأثارت غضبه، بعدما تم استغلالهم والإيقاع بهم عبر منصات مواقع التواصل الاجتماعي .
أقرّت فرنسا تشريعاً يُلزم منصات التواصل الاجتماعي بالتحقق من أعمار مستخدميها، ويحظر الوصول إليها على من لم يبلغوا الخامسة عشرة، وسيدخل هذا القانون حيّز التنفيذ في شهر أيلول القادم. ولضمان تطبيقه بصرامة، اعتُمدت تقنية التحقق البيومتري من الهوية بوصفها إحدى آليات الوصول؛ وهي منظومة متطورة تُثبت هوية الفرد من خلال خصائصه البيولوجية والسلوكية الفريدة، بدلاً من الاعتماد على كلمات المرور أو الرموز السرية. وتشمل هذه التقنية طيفاً واسعاً من المعرّفات البيومترية، مثل بصمة الإصبع، والتعرّف إلى الوجه، ومسح قزحية العين، والتعرّف إلى الصوت، فضلاً عن مؤشرات سلوكية دقيقة، كأسلوب الكتابة على لوحة المفاتيح ونمط تفاعل المستخدم مع جهازه.
ويمرّ التحقق البيومتري بثلاث مراحل متتالية: تبدأ بالتقاط البيانات الحيوية للمستخدم، ثم معالجتها وتحويلها إلى نموذج رقمي مُشفّر، وتنتهي بمقارنتها بالبيانات المرجعية المحفوظة مسبقاً في قاعدة البيانات. ولا يُلزم القانون الشركات باعتماد تقنية بعينها، بل يمنحها مرونة في اختيار الحلول التقنية الأنسب لها، سواء أكان ذلك عبر تقنية التعرّف إلى الوجه، أم تحميل وثائق الهوية الرسمية، أم الاستعانة بمزودي خدمات تحقق متخصصين من جهات خارجية، أم غير ذلك من الآليات المعتمدة. وتقع على عاتق منصات التواصل الاجتماعي مسؤولية الالتزام الكامل بأحكام هذا القانون، وإلا تعرّضت لعقوبات قانونية.
ويرمي هذا التشريع في جوهره إلى توفير حماية فعّالة للأطفال من المخاطر الرقمية المتعددة، وفي مقدمتها التعرّض للمحتوى الضار، والمواد ذات الطابع الإدماني، وشتى أشكال الاستغلال الإلكتروني. وقد كشف استطلاع أجرته صحيفة «لوموند» الفرنسية أن 67 % من طلاب المرحلتين الإعدادية والثانوية أبدوا تأييدهم لحظر وسائل التواصل الاجتماعي على من لم يبلغوا الخامسة عشرة، وهو مؤشر دالّ على وعي متنامٍ في أوساط المراهقين أنفسهم بجسامة هذه الإشكالية. ولعل ما عبّر عنه أحد الطلاب يختصر الواقع في جملة موجزة حين قال عن «تيك توك»: «إنه مُرهق، لكنني عاجز عن الإقلاع عنه!»؛ وهي عبارة تكشف طبيعة الأزمة بأبعادها الحقيقية.
غير أن هذه الإجراءات لا تخلو من معارضة مشروعة؛ إذ تُعدّ بيانات الهوية من أكثر الأصول الرقمية حساسية وعرضة للاستهداف، في ظل تصاعد وتيرة انتهاكات البيانات على نطاق واسع. والأخطر في هذا السياق أن البيانات البيومترية تختلف جوهرياً عن كلمات المرور التقليدية؛ فهي غير قابلة للتغيير أو الاستبدال إذا تعرّضت للاختراق، مما يجعل أي تسريب لها ضرراً دائماً يصعب تداركه. وإذا أثبت النموذج الفرنسي جدارته وقابليته للتطبيق الفعلي، فمن المرتقب أن تحتذي به دول أخرى وتسلك المسار ذاته.
أما على الصعيد الأردني، فقد حظي قرار هيئة تنظيم قطاع الاتصالات بحجب المواقع الإباحية على جميع شبكات الإنترنت بقبول شعبي واسع، وهو خطوة تسير في الاتجاه الصحيح. غير أن المأمول يتجاوز ذلك إلى اتخاذ تدابير أكثر شمولاً وعمقاً، تعزّز منظومة الحماية المجتمعية، ولا سيما فيما يخص الفئات الأكثر هشاشة، وهم الأطفال. وتكشف الوقائع الموثقة عن مئات الحالات في الأردن، تعرّض فيها قاصرون للاستغلال الإلكتروني، وتجلّت أبرز صورها في استدراج الفتيات الصغيرات عبر منصات التواصل الاجتماعي، وانتزاع صورهن الخاصة قسراً، ثم توظيفها ذريعة للابتزاز المادي أو التهديد بنشرها. وقد دفعت بعض هؤلاء الضحايا حياتهن ثمناً لهذا الضغط النفسي الخانق الذي عجزن عن احتماله، فيما أُجبرت أخريات على الارتباط بمن استغل ضعفهن وخوفهن سلاحاً للسيطرة عليهن.
يمتلك الأردن منظومة تشريعية متعددة الأطر تستهدف صون حقوق الطفل وحمايته من الاستغلال بأشكاله كافة؛ وفي مقدمتها قانون حقوق الطفل رقم 17 لسنة 2022، الذي يُعرّف الطفل بأنه كل من لم يبلغ سن الثامنة عشرة، إلى جانب قانون العقوبات رقم 16 لسنة 1960، وقانون الجرائم الإلكترونية رقم 17 لسنة 2023، الذي يجرّم طيفاً واسعاً من الانتهاكات المرتبطة بالفضاء الرقمي. وتضطلع أجهزة الدولة المعنية، وفي طليعتها وحدة مكافحة الجرائم الإلكترونية التابعة لمديرية الأمن العام، بدور محوري في التعامل مع البلاغات الواردة إليها بكفاءة واحترافية عالية. ولا يقتصر عمل هذه الوحدة على الجانب التحقيقي والأمني فحسب، بل يمتد ليشمل برامج التوعية والإرشاد الموجّهة إلى أولياء الأمور، بهدف تمكينهم من أدوات الحماية الرقمية اللازمة لأبنائهم في عالم الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي.
وفي ضوء ما سبق، يبقى الطموح قائماً بأن يحتذي الأردن بالتجربة الفرنسية نموذجاً يُقتدى به، وأن يُرسي منظومة أكثر صرامة في الرقابة والتنظيم على استخدام الأطفال لمنصات الألعاب الإلكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي، بما يشكّل درعاً واقية تحول دون تعرّضهم للمخاطر المتنامية في الفضاء الرقمي، وتصون أمنهم وسلامتهم في زمن باتت فيه التهديدات الإلكترونية تُلقي بظلالها الثقيلة على شريحة واسعة من أجيالنا الناشئة.